في 10 أبريل، شاركت وزارة الموارد المائية العراقية، عبر حسابها في فيسبوك، مقطع فيديو "إنفوغرافك" أنتجته قناة "العراقية" الحكومية، يتحدث عن "السبب الحقيقي لتلوث مياه نهر دجلة" والذي بدأ مطلع أبريل، وتضمّن المقطع عبارات مثل: "شائعات وفيديوهات بشأن مياه ملوثة بسبب الإطلاقات المائية، لكن الحقيقة مختلفة تماما، والتلوث لا علاقة له بالإطلاقات المائية بل بسبب تصريف المجاري والنفايات غير المعالجة في نهر ديالى، وعملت وزارة الموارد المائية على زيادة إطلاقات المياه من سد حمرين ونهر دجلة لتحسين جودة المياه وتقليل تركيز الملوثات".
هذا المحتوى الذي قدمته قناة "العراقية"، يتطابق مع بيان نشرته وزارة الموارد المائية في 9 أبريل، بخصوص حالة التلوث التي شهدها نهر ديالى ونهر دجلة منذ مطلع شهر أبريل، حيث أكدت الوزارة أن ما يُتداول حول تلوث بعض المقاطع النهرية لا علاقة له بالإطلاقات المائية من سد حمرين، بل يعود بشكل أساسي إلى استمرار تصريف مياه المجاري والنفايات غير المعالجة في الأنهار، خاصة في نهر ديالى، حيث توجد مصادر تلوث مباشرة، أبرزها محطات المجاري الرئيسية، مؤكدة أن زيادة الإطلاقات المائية من سد حمرين ونهر دجلة تمت وفق إجراءات مدروسة تهدف إلى تحسين جودة المياه وتخفيف تركيز الملوثات.

ويتضح من بيان وزارة الموارد المائية ومن المحتوى المقدم من قناة "العراقية"، أنه يروج إلى فكرة أن "التلوث سبق الإطلاقات المائية"، وإن رفع الإطلاقات المائية من بحيرة حمرين إلى نهر ديالى الذي يصب لاحقا في نهر دجلة، هدفه تخفيف التلوث الحادث أصلًا، لكن الحقيقة أن الإطلاقات المائية من بحيرة حمرين سبقت التلوث، وهي ما دفعت بالملوثات المتراكمة منذ سنوات في نهر ديالى (بطيء الجريان)، ودفعت بهذه الملوثات من خلال الإطلاقات المائية الشديدة من بحيرة حمرين ودفعتها لتصب في نهر دجلة وتلويثه، بحسب ما تؤكد تصريحات مسؤولين حكوميين.
كيف بدأت القصة؟
قصة تلوث مياه نهر دجلة شابتها الكثير من المعلومات المتضاربة والغموض، وبدأت القصة في 2 أبريل 2026، عندما أعلنت الهيئة الوطنية للاستثمار، لأهالي مدينة بسماية الواقعة جنوب بغداد، وجود بقع زيتية محدودة في مجرى نهر دجلة المغذي للمدينة، وتم تقليل نسبة ضخ المياه مؤقتاً إلى 50% كإجراء تنظيمي، وسيستمر ذلك لفترة قصيرة لحين زوال التأثير بشكل كامل.
لكن في 3 أبريل، أي في اليوم التالي، نفت مديرية ماء بغداد، وجود بقعة زيتية أساسا في نهر دجلة ضمن حدود العاصمة بغداد، وأن البقعة الزيتية تمت معالجتها أساسا ضمن حدود محافظة صلاح الدين ولم تصل إلى بغداد.
هذا التصريح، يؤكده بيان صادر عن وزارة الموارد المائية أيضًا في 3 أبريل 2026، حيث أكدت أن البقعة النفطية تم رصدها في محافظة صلاح الدين بتاريخ 1 ابريل، وتم احتواء البقعة وحصر ومعالجة التلوث عند مقدم سدة سامراء دون تسجيل أي تأثير باتجاه بغداد.
رغم ذلك، وفي اليوم التالي 4 أبريل، عاودت الهيئة الوطنية للاستثمار تبليغ أهالي مدينة بسماية جنوب بغداد بأن تجهيز المياه سيكون لمدة 6 ساعات يوميا فقط لترشيد الاستهلاك من خزانات المدينة لحين زوال البقعة الزيتية من النهر.
في أثناء هذا التضارب، بدأت تنتشر مقاطع فيديو وصور عن مياه سوداء ملوثة في نهر ديالى وهي تصب في نهر دجلة في جنوب العاصمة بغداد، ولا تزال المياه مقطوعة عن مدن جنوب بغداد والاعتماد على الخزين النظيف فقط.

بعد ذلك، اضطرت الجهات المعنية للحديث عن موضوع آخر لا يتعلق بالبقعة الزيتية، بل مجيء كميات كبيرة من الإطلاقات المائية من بحيرة حمرين إلى نهر ديالى الذي يجري من ديالى ويخترق شرق العاصمة بغداد ثم يلتقي بنهر دجلة في جنوب بغداد، لكن نهر ديالى وطوال السنوات الماضية كان عبارة عن مستنقع للمياه الملوثة وجريانه بطيء ويصب في نهر دجلة ببطء، لكن الموجة المائية القادمة من بحيرة حمرين والتي أطلقتها وزارة الموارد المائية تسببت بدفع جميع الملوثات بنهر ديالى بسرعة إلى مجرى نهر دجلة، وذلك خلافا لما تقوله وزارة الموارد المائية والتقرير المصور لقناة "العراقية" الحكومية بأن زيادة الإطلاقات المائية إلى نهر ديالى كان يهدف لتخفيف التلوث، بل إن الإطلاقات سبقت التلوث وكانت السبب بها.
كيف بدأ التلوث؟
في 1 أبريل، أي قبل يوم واحد من إعلان هيئة الاستثمار تقليص ضخ المياه إلى المنازل وبدء مؤشرات التلوث، أعلنت وزارة الموارد المائية إجراء زيارة إلى "موقع الرستمية أسفل جسر ديالى" (جنوب بغداد) ومجاور محطة الرستمية لتصريف مياه الصرف الصحي، للاطلاع على سير الأعمال الجارية الخاصة بتوسيع مقطع نهر ديالى لاستقبال الموجات الفيضانية.
وفي ذات اليوم، أعلنت الوزارة أيضا عن زيارة ومتابعة أعمال "فتح" مقطع نهر ديالى أسفل "الجسر الكونكريتي ورفع اللسان الترابي" لاستقبال الإطلاقات المائية القادمة إلى بغداد وتقليل خطر الفيضانات، وتمرير الموجة الفيضانية التي تم إطلاقها من بحيرة حمرين.

يتضح من بيانات وزارة الموارد المائية قبل حلول حادثة التلوث، أن نهر ديالى كان "مغلقًا" أو تم تضييقه منذ سنوات وتقليل جريانه باتجاه دجلة، لكن جرت أعمال لفتحه وتوسيعه وإزالة السدات الترابية بغرض تمرير الموجة الفيضانية التي تم إطلاقها من بحيرة حمرين بديالى باتجاه بغداد، ما يعني أن إطلاق المياه يهدف لـ"تمرير الموجة الفيضانية" وليس لتحسين المياه وتقليل التلوث كما تقول الوزارة، فالتلوث لم يكن حاصلا بعد.
بمتابعة المواقع التي تحدثت عنها وزارة الموارد المائية عبر جوجل إيرث، يتضح وجود سدة ترابية تضيّق مجرى نهر ديالى بشكل كبير جدا تحت جسر ديالى عند محطة الرستمية للصرف الصحي في الإحداثي 33°16'39.25"N 44°32'22.56"E، كما توجد سدة ترابية أخرى شمالها على بعد كيلومتر واحد تحت الجسر الحديدي عند الإحداثي 33°17'12.52"N 44°32'17.56"E، تغلق نهر ديالى بالكامل وتعزل المقطع الشمالي عن الجنوبي الذاهب نحو محطة الرستمية للصرف الصحي والذي يتوجه لاحقا نحو نهر دجلة.

رصدنا من خلال صور الأقمار الصناعية، وجود حوالي 11 منفذا لرمي المياه الملوثة والمخلفات في نهر ديالى بداية من دخوله من شمال بغداد وحتى التقائه بنهر دجلة جنوب بغداد، كما تظهر مياه نهر ديالى سوداء اللون وملوثة مقارنة بمياه نهر دجلة، ما يكشف أن نهر ديالى كان عبارة عن نهر مغلق نسبيًا ومستنقع لرمي الملوثات فيه، ومقطّع الأوصال بطريقة تقلل من جريان الملوثات نحو نهر دجلة، وتجعل الملوثات متراكمة فيه.

لذلك عندما تم فتحه، وتمرير الموجة الفيضانية من بحيرة حمرين نحوه، جرف جميع الملوثات ومياه الصرف الصحي المتراكمة في النهر منذ سنوات والقاها في نهر دجلة، وهذا ما أكده محافظ ديالى الذي أشار إلى أن "نهر ديالى ينبع من بحيرة حمرين، ونتيجة امتلاء سد حمرين بسبب السيول والأمطار، تم فتح بوابات السد باتجاه نهر ديالى لتفادي حدوث فيضانات، ما أدى إلى زيادة الإطلاقات المائية التي تصب في نهر دجلة".
وأكد محافظ ديالى، عدم وجود أي تلوث في نهر ديالى ضمن حدود المحافظة، والمشكلة تظهر عند وصول المياه إلى بغداد، وتحديداً في مناطق الرستمية وجسر ديالى، حيث توجد تصريفات لمياه المجاري تابعة لأمانة بغداد، والتي من المفترض معالجتها قبل طرحها في النهر، وأن الرواسب المتراكمة في نهر ديالى خلال السنوات الماضية بدأت بالتحرك بفعل زيادة تدفق المياه، واتجهت نحو نهر دجلة، ما تسبب بظهور التلوث.
ويشير الجهاز المركزي للإحصاء إلى أن نسبة معالجة مياه المجاري في العراق في 2024 تبلغ 67% فقط، ما يعني أن 33% من مياه الصرف الصحي ترمى إلى الأنهار دون معالجة، وأن أكثر من مليون متر مكعب يوميا من مياه المجاري غير المعالجة يتم تفريغها في الأنهار من بينها 200 ألف متر مكعب يوميا في بغداد وحدها تذهب لنهري ديالى ودجلة، كما توجد 46 محطة معالجة مركزية في العراق لكن العاملة منها أو العاملة جزئيا هي 30 محطة فقط.
