تونس هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعتمد آلية الاقتطاع من الأجور لصالح النقابات العمالية، وهو إجراء تمّ إقراره عقب الاستقلال مع تعيين أوّل حكومة تونسيّة.
المدعي : سفيان بن فرحات . صحفي تونسي (إعلاميون/وسائل إعلام )
الادعاء "غير صحيح"، فتونس ليست الوحيدة، بل إن دولٌ أخرى مثل الولايات المتحدّة وكندا واليابان والفليبين تعتمد آلية الاقتطاع، بصفة طوعيّة أو إلزاميّة، من الأجور وتحولها لصالح النقابات العماليّة كسداد لرسوم العضوية.
تتبع فريق "تفنيد" الادّعاء الذّي أطلقه الإعلامي التونسي، في برنامج "Rendez vous9"، على قناة "التاسعة"، يوم 10 فبراير 2026، فيما يتعلّقُ بالدول التّي تعتمد آليّة الاقتطاع الآلي من الأجور لفائدة النقابات العماليّة، وتوصّل إلى أنّه "غير صحيح"، استنادا للوائح تنظيم العمل في دول أخرى.
ماهي آلية الاقتطاع لفائدة النقابات العماليّة؟
وتُعرف آلية الاقتطاع الآلي لفائدة النقابات العماليّة اصطلاحا بـ"خصم رسوم العضويّة" (Dues Check-off)، وتتمثلُّ في إجراء الخصم التلقائي لرسوم اشتراكات العضوية النقابية مباشرةً من رواتب الموظفين وتحويلها للنقابات العماليّة المنتسبين إليها لدعم أنشطتها، وعادةً ما يكون طوعيًا ويتطلّب تفويضًا من الموظف، وذلك وفقا لموقع "
US Legal Forms". فما هي الدول التّي تعتمدُ هذا الإجراء، وهل هو حكرا على تونس؟
الولايات المتحدة الأمريكيّة:
وخلافا للادعاء، لا يُعتمد إجراء "خصم رسوم العضويّة" في تونس فقط، بل في عدّة دول أخرى على غرار الولايات المتحدة الأمريكيّة، حيثُ أطلقه اتحاد "عمال المناجم المتّحدون في أمريكا" (United Mine Workers of America) منذُ فبراير 1926، بتوقيعه اتفاقيةً إلزاميّة على المشغّلين تمنحه حقّ اقتطاع رسوم العضويّة من الأجراء. تمّ بعدئذ، تعميم هذه الممارسة تدريجيّا وأصبحت شائعة في بقيّة القطاعات.
ورغم نصّ القانون الوطني لعلاقات العمل الأمريكي لسنة 1935 على جواز الاتفاق على جعل العضوية النقابيّة شرطًا للعمل مع إمكانيّة تعليقها في حال عدم دفع الرسوم الموحّدة، فإنّ التشريعات اللاحقة كقانون "Taft-Hartley Act" لسنة 1947 أدّى إلى سنّ قوانين الحق في العمل التّي حظرت إلزاميّة الانضمام للنقابات العماليّة ودفع رسوم العضويّة كشرط للتوظيف وحوّلتها إلى ممارسات طوعيّة. وقد فعّلت 26 ولاية أمريكيّة هذا القانون فيما لا تزالُ بقيّة الولايات تفرض قانون النقابات الإلزامي.

كندا:
وفي كندا، تُرسّخ "صيغة راند"، وهي قرار صدر عن المحكمة العليا في سنة 1946، شرعيّة خصم أرباب العمل لرسوم العضويّة النقابية تلقائيّا من أجور العملة المشمولين بالاتفاقيات الجماعية مع النقابات المعتمدة مقابل استفادتهم من خدمات التفاوض الجماعي. ومنذ ذلك الحين، بات هذا المبدأ جزءًا من الإطار المنظم للعلاقات العمالية - النقابية في عدد من المقاطعات الكندية وفقا لما جاء في نبذة تعريفيّة نشرت على الموقع الإلكتروني للاتحاد الكندي للموظفين العموميين.

اليابان:
وبمزيد البحث والتحرّي، اكتشف فريق "تفنيد" أنّه على غرار الولايات المتحدة وكندا، تتيح اليابان إجراء خصم رسوم العضويّة النقابيّة بموجب المادّة 24 من قانون معايير العمل الياباني، بموجب اتفاق مكتوب. وتُفيد دراسة أصدرها المعهد الياباني لسياسات العمل والتدريب في سنة 2021 بأنّ حوالي 71.3% من النقابات العماليّة أبرمت اتفاقيّات مع أرباب العمل تقضي بخصم رسوم الاشتراكات من أجور الموظفين تلقائيّا لفائدتها.
الفلبين:

يُشار إلى أنّ الدول الأربعة المذكورة لا تُعتبر حصرا لإجمالي الدول التّي تعتمد آلية الاقتطاع من الأجور لسداد اشتراكات العضويّة النقابيّة للأجراء، بل أمثلة عنها فقط.
ماذا بشأن تونس، هل خصم العضويّة طوعيٌّ أم إلزاميّ؟
تواصل فريق "تفنيد" مع الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل، سامي الطاهري، وبسؤاله عن تفاصيل خصم رسوم العضويّة من أجور العملة لفائدة المنظمة الشغيلة، أكّد أنّ الإجراء طوعيّ وليس آليًا، واختياريًا وليس إجباريًا، ويتمُّ بتفويض أو "التزام" مكتوب يتقدّم به الأجير إلى إدارة مؤسسته، تجسيدا للاتفاقيتين الدوليتين عدد 87 و115 اللتين تنصان على تقديم تسهيلات لصالح النقابات للقيام بنشاطها في الدفاع عن العمال.
وأضاف الطاهري أنّ الإجراء يشملُ حوالي 800 ألف عامل من إجمالي ما يقارب 3.5 ملايين عامل في تونس، مشيرا إلى أنّ قيمة الاقتطاع تُساوي 3 دينارات شهريّا.
وأدانت الهيئة الإداريّة الوطنيّة للاتحاد العام التونسي للشغل ما قالت إنّه قرار بإيقاف آلية الخصم المباشر والطوعي للاشتراكات النقابيّة، واعتبرته "اعتداءً سافرًا على الحق الدستوري في التنظيم النقابي وخرقًا صريحا للاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل الدولة". ويأتي ذلك في ظلّ غياب أيّ أوامر أو مراسيم حكوميّة رسميّة تُعلن وقف الإجراء.
لماذا نتحقّق من الادّعاء؟
لأن إعلان بيانات أو معلومات خاطئة حول شأن عام، يؤثر بشكل سلبي على شرائح الجمهور المرتبطة بهذا الشأن، سواء كان سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو تنمويًا وغيره من المجالات.