بعد اضطراب إمدادات الطاقة عالميًا  كيف تعاملت الدول مع صدمة النفط… ومن دفع الثمن؟
المصدر: الجزيرة نت

بين تقنين الوقود في سلوفينيا ورفع الأسعار في مصر، وجد ملايين المواطنين أنفسهم أمام فاتورة حرب لا يشاركون فيها.

في أعقاب الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى منذ 28 فبراير 2026، دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة اضطراب حاد، مع إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط عالميًا.

لم تنعكس الأزمة على الأسعار فقط، بل امتد تأثيرها إلى السياسات الحكومية حول العالم في التعامل معها، حيث وجدت الدول نفسها أمام سؤال صعب: هل تتحمل الدولة كلفة الأزمة، أم يُترك المواطن لمواجهتها؟

في هذا التقرير، نستعرض سياسات عدد من الدول العربية والآسيوية والأوروبية، ونكشف عن ثلاثة اتجاهات رئيسية في التعامل مع أزمة الطاقة.

تحميل المواطن كلفة الأزمة: رفع أسعار وتقشف مباشر

اتبعت عدة دول هذا النهج عبر نقل جزء كبير من عبء الأزمة إلى المواطنين، سواء من خلال رفع أسعار الوقود أو تقليص الاستهلاك القسري.

مصر

رفعت أسعار الوقود بنسبة تراوحت بين 14% و17% في 10 مارس 2026، تبعها زيادة في تعريفة النقل العام وتذاكر المترو والقطارات بنسبة 20%. كما طبّقت الحكومة إجراءات تقشفية شملت الإغلاق المبكر للمحال التجارية، وتقليص الإنارة العامة، وخفض مخصصات الوقود الحكومية بنسبة 30%، إضافة إلى تباطؤ المشروعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

تعكس هذه السياسات اعتمادًا على آلية "التسعير التلقائي" المرتبطة بالأسعار العالمية، حتى في ظل الظروف الاستثنائية.

إثيوبيا

رفعت أسعار الوقود، وذهبت إلى خطوة أكثر حدة بإرسال الموظفين الحكوميين غير الأساسيين في إجازة سنوية كجزء من إجراءات الترشيد، مع توجيه الإمدادات نحو القطاعات الحيوية والنقل العام.

سريلانكا

رفعت أسعار الوقود مرتين خلال مارس (8% ثم 25%)، وفرضت نظام التقنين، كما رفعت أسعار الحافلات العامة والخاصة بنسبة 12.9%، مع تقليص أيام العمل وتشجيع العمل عن بُعد لتخفيف الضغط على الطاقة.

مزيج بين التقشف والتدخل الحكومي

في هذا النموذج، دمجت الدول بين سياسات ضبط الاستهلاك وتحميل المواطن جزءًا من الفاتورة؛ لتحقيق توازن بين تقليل الاستهلاك ومنع الانهيار الكامل للقدرة الشرائية.

الأردن

اعتمدت الحكومة سياسة تقشف صارمة داخل القطاع الحكومي، شملت تقليص استخدام المركبات الرسمية، وضبط الإنفاق في جميع المؤسسات الحكومية والدوائر الرسمية والهيئات العامة، والحد من استخدام التدفئة والتكييف.

فيما جاء رفع أسعار الوقود في بداية شهر مارس ضمن آلية التسعير الشهرية المعتادة، وليس كإجراء استثنائي بسبب الحرب.

سلوفينيا

كانت أول دولة في الاتحاد الأوروبي تفرض نظام تقنين لشراء الوقود، في خطوة وقائية تهدف إلى توزيع الموارد بشكل عادل ومنع حدوث نقص حاد، نتيجة نقص الإمدادات والزيادة الكبيرة في الأسعار.

حماية المواطن وامتصاص الصدمة

اختارت بعض الدول التدخل لتخفيف أثر الأزمة على المواطنين، حتى لو كان ذلك على حساب الموازنة العامة، ومن أبرز هذه الدول:

باكستان

بعد رفع أولي للأسعار بنسبة 20% في 7 مارس 2026، قررت الحكومة تثبيت الأسعار لاحقًا، مع تحمّل الخزانة العامة فارق التكلفة، ودعوة المواطنين إلى ترشيد الاستهلاك.

وتستورد باكستان النفط بشكل رئيسي من السعودية والإمارات عبر «مضيق هرمز».

كوريا الجنوبية

تستورد كوريا الجنوبية نحو 70% من احتياجاتها من النفط الخام من الشرق الأوسط، وتبنت حزمة من الإجراءات الاقتصادية بهدف احتواء التضخم دون تحميل المواطن كامل العبء، شملت إعداد ميزانية تكميلية لدعم الاقتصاد، وفرض سقف لأسعار الوقود لأول مرة منذ ثلاثة عقود، ودراسة خفض الضرائب على الوقود للمساعدة في امتصاص الصدمة.

الهند

ركزت على إجراءات غير مباشرة لدعم المواطنين، منها خفض الضرائب على الوقود لدعمهم اقتصاديًا مع ارتفاع الأسعار، وإعادة توجيه وقود الغاز المسال للاستخدامات المنزلية، وتوزيع بدائل مثل الكيروسين لتقليل الضغط على مخزون الغاز.

تكشف أزمة الطاقة الحالية أن الدول لا تواجه الأزمات بالأدوات والسياسات نفسها، بل وفق قدراتها الاقتصادية وخياراتها السياسية.

فبينما اختارت بعض الحكومات تحميل المواطن كلفة الأزمة عبر رفع الأسعار والتقشف، اتجهت أخرى إلى امتصاص الصدمة عبر الدعم والتدخل المباشر.

لكن في جميع الحالات، يبقى المواطن الطرف الأكثر تأثرًا في أزمة طاقة لم تبدأ من داخل حدوده، ولم يكن له يد فيها، لكنها تنعكس مباشرة على حياته اليومية.

المصادر

لن نشارك بريدك الإلكتروني مع أي جهات أخري. تم وضع علامة على الحقول المطلوبة *

يرجى إدخال الاسم الكامل
يرجى إدخال بريد إلكتروني صالح
يرجى إدخال الرسالة