غضب عارم، مكيفات معطلة، وظلام يتنقل بين الولايات.. لم تكن بداية صيف 2026 هادئة على التونسيين؛ فالانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي تجاوزت حد "الأعطال العابرة" لتتحول إلى أزمة يومية تُربك حياة المواطنين والأنشطة الاقتصادية ودفعت البعض منهم إلى الاحتجاج.
وفي ظل تبريرات رسمية ترجع الأزمة لضغط الاستهلاك وعطب خارجي في شبكة الجزائر، يتتبع تقرير "تفنيد" التسلسل الزمني للإشعارات الرسمية، ويواجه التصريحات بالبيانات والأرقام لمعرفة الحجم الحقيقي للأزمة.




وتعددت التفسيرات والتبريرات حول أسباب هذه الانقطاعات المتكررة التي شهدتها البلاد بداية من يوم 13 يوليو 2026، والتي تزامنت مع ارتفاع قياسي في درجات الحرارة والتي وصلت إلى 48.2 درجة يوم الأربعاء 15 يوليو 2026، وفقا لبيانات المعهد الوطني للرصد الجوي.

يسعى "تفنيد" في هذا التقرير، إلى تسليط الضوء على سياق الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي الذي شهدته تونس في الأيام القليلة الماضية وإحصاء أعداد انقطاعات التيار الكهربائي في تونس بداية من يوم 16 يوليو 2026، تاريخ بداية أول إشعار نشرته الشركة الوطنية للكهرباء والغاز بالمناطق التي سينقطع عنها التيار، و إلى حدود يوم 20 يوليو 2026 (تاريخ انجاز هذا التقرير).
جذور الأزمة:
شهدت تونس بداية من يوم الثلاثاء 14 يوليو موجة من الغضب والانتقادات في صفوف المواطنين بسبب انقطاع التيار الكهربائي بمناطق مختلفة من الجمهورية دون إعلان مسبق من قبل الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وتصاعدت الشكاوى مما اضطر الرئيس المدير العام للشركة التونسية للكهرباء والغاز فيصل طريفة، إلى الظهور في وسائل الإعلام لتوضيح حقيقة ما حصل.
وقال "طريفة" خلال حضوره في حوار لبرنامج "ناس الديوان" على إذاعة ديوان اف ام، بتاريخ 15 يوليو 2026، إن الانقطاعات المسجلة في التيار الكهربائي يعود سببها الأول إلى الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة وهو ما أدى إلى الاستهلاك المكثف لمكيفات الهواء في تونس، وهذا الاستخدام المكثف ساهم في خلق ضغط على الشبكة حيث فاقت طاقة استهلاك طاقة الإنتاج، فضلاً عن حدوث عطب تقني في إحدى محطات إنتاج الطاقة في المنطقة الشرقية للجزائر، حيث أدت بدورها إلى انقطاع التيار الكهربائي في مناطق في الجزائر وهذا أثر على تونس،.
وأوضح أنه حرصا على ضمان التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، قررت الشركة الاعتماد على القطع المبرمج للتيار الكهربائي في مناطق يتم تحديدها والإعلان عنها مسبقا، وذلك حماية للشبكة الوطنية من الانهيار بسبب زيادة الطلب.
وأكد أن معدل مدة انقطاع التيار الكهربائي لا تتجاوز ساعة واحدة في كل منطقة وإذا تجاوزت ذلك الوقت فإن السبب يعود إلى عطب تقني.
وفي غياب أي بيان رسمي من الشركة التونسية للكهرباء والغاز عن أسباب الانقطاعات، اعتمد "تفنيد" على التصريح الوحيد المتاح، وهو تصريح الرئيس المدير العام فيصل طريفة. سيتم في هذا التقرير تفكيك هذا التصريح، والتحقق من النقاط الواردة فيه استنادا إلى بيانات رسمية ومصادر موثقة.
علاقة الجزائر بالواقعة:
تتبع فريق "تفنيد" تصريح الرئيس المدير العام وتبين أنه فعلا حدث بتاريخ 15 يوليو 2026، عطب تقني بمنشأة كهربائية في منطقة "سيدي عقبة" التابعة إلى ولاية "بسكرة" شرقي الجزائر، وأوضح مدير الإعلام بوزارة الطاقة والطاقات المتجددة الجزائرية خليل هدنة في تصريح إلى وكالة "الأنباء الجزائرية" أن العطب التقني حدث صباح يوم الأربعاء وأحدث انقطاع في التيار الكهربائي على عدة بلديات جزائرية موزعة على 16 ولاية، وتم السيطرة عليه في وقت قياسي واسترجاع تموين العديد من البلديات بالتيار الكهربائي في وقت وجيز وتم تسجيل استقرار في الوضع بداية من الساعة الرابعة من صباح اليوم التالي، وفق ما جاء في تصريحه.
ورغم عودة استقرار التيار الكهربائي في الجزائر بعد إصلاح العطب التقني، إلا أن الوضع في تونس لا يزال على حاله ولا تزال الانقطاعات متواصلة للتيار الكهربائي.
أما بخصوص حجم الاعتماد التونسي على الجزائر، أظهر تقرير الوضع الطاقي لشهر أبريل 2026 الصادر عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم (المنشور بتاريخ 18 يونيو 2026) أن واردات تونس من الكهرباء، خاصة من الجزائر، تغطي 9% من الحاجيات الوطنية. في المقابل ارتفعت الاستيرادات من الغاز الجزائري بنسبة 12% لتبلغ 921 ألف طن مكافئ نفط، فيما اعتمد أسطول إنتاج الكهرباء بنسبة 92% على الغاز الطبيعي، وبلغت حصة الغاز الجزائري من إجمالي الطلب الموجه لإنتاج الكهرباء 64%.

كما أشار التقرير إلى أن حجم الإنتاج الوطني من الكهرباء بلغ في أبريل 2026 حوالي 5945 جيجا واط ساعة (ارتفاع 7% مقارنة بنفس الفترة من 2025)، وأن الميزان الطاقي سجل عجزاً بـ2 مليون طن مكافئ نفط (ارتفاع 13%)، فيما تراجعت نسبة الاستقلال الطاقي إلى 35% مقابل 40% في نفس الفترة من السنة الماضية.
بالتالي فإن العطب المسجل في الجزائر يتعلق بجزء محدود من واردات تونس المباشرة من الكهرباء (9%)، فيما يبقى الاعتماد الأكبر متمثلاً في استيراد الغاز الطبيعي المستخدم في الإنتاج المحلي للكهرباء (64%).

هل فعلا الانقطاعات لا تتجاوز الساعة في كل منطقة؟
تابع "تفنيد" البيانات الصادرة عن الشركة التونسية للكهرباء والغاز المنشورة على صفحتها الرسمية على موقع فيسبوك منذ يوم 16 يوليو 2026، خلال اليوم الأول امتدت الانقطاعات من الساعة الواحدة بعد الظهر إلى الساعة الرابعة، أما خلال اليوم الخامس أي 20 يوليو 2026 فقد تواصلت الانقطاعات من العاشرة صباحا إلى الخامسة مساءا في عدد من الجهات، متجاوزا بذلك الستة ساعات انقطاع في تناقض مع تصريح الرئيس المدير العام بأن الانقطاعات لا تتجاوز الساعة الواحدة.


ويُظهر تحليل بيانات الإشعارات الرسمية تفاوتا واضحا بين الجهات من حيث عدد المناطق المتأثرة بالانقطاع. حيث سجّلت جهتا الجنوب والوسط أعلى الأعداد المسجّلة خلال فترة التغطية، حيث بلغ عدد المناطق المتأثرة في الجنوب 48 خلال الفترة المسائية ليومي 18 و19 يوليو، بينما ارتفع الرقم في الوسط إلى 44 خلال الفترة المسائية ليوم 20 يوليو. في المقابل حافظت جهتا الشمال الغربي وصفاقس على أعداد أقل نسبيا وأكثر استقرارا طوال أيام التغطية الخمسة، إذ تراوحت الأرقام المسجّلة فيهما بين 6 و18 منطقة.
كما يلاحظ أن الفترة المسائية سجّلت في أغلب الجهات وأغلب الأيام أعدادا أعلى من الفترة الصباحية، وهو نمط تكرر في ست من أصل سبع جهات مشمولة بالتغطية. أما جهة الشمال، فقد سجّلت ارتفاعا تدريجيا في عدد المناطق المتأثرة من 36 في اليوم الأول إلى 64 في اليوم الخامس، وهو الاتجاه التصاعدي الوحيد المستمر دون تراجع طوال فترة التغطية.





جدير بالذكر بأن حسب بلاغات الشركة فإن المناطق المذكورة والمعنية بانقطاع التيار الكهربائي ليست نهائية وممكن أن تشمل أعداد أكبر من المناطق، إضافة إلى أن هناك مناطق شهدت انقطاع لعدد ساعات أكبر من المعلن عنها في البلاغات ومناطق أخرى انقطع الكهرباء خلال ساعات الليل وهو ما لم تعلن عنه الشركة في بلاغاتها.
الشركة التونسية للكهرباء والغاز.. ديون لا تتوقف:
تعد الشركة التونسية للكهرباء والغاز من أكبر المؤسسات العمومية مديونية في تونس، بحسب تقرير حول المنشآت العمومية لسنة 2025 فقد بلغت 3974.1 مليون دينار حتى سنة 2023، وهو ما يمثل 33.1% من إجمالي مستحقات جميع المنشآت العمومية لدى الدولة.

وبحسب ما جاء على لسان ممثلين عن الشركة التونسية للكهرباء والغاز خلال جلسة استماع أمام لجنة المالية في مجلس نواب الشعب بتاريخ 24 يونيو 2026، فإن ديون الشركة حتى 23 يونيو 2026 بلغت 7356 مليون دينار، بينما ناهزت مستحقاتها غير المستخلصة لدى مختلف العملاء والمؤسسات العمومية والخاصة 6061 مليون دينار.
وقبل عام كامل من انقطاعات هذا الصيف، كان الكاتب العام للجامعة العامة للكهرباء والغاز، سليم البوزيدي، قد حذّر من أن تراكم ديون الشركة -التي بلغت نحو 7 مليارات دينار لدى الدولة وحدها- وبات "ناقوس خطر حقيقي" يهدد استمرارية المؤسسة وقدرتها على الاستثمار والتجديد.
الجدير بالذكر أن مجلس نواب الشعب صادق يوم 14 يوليو 2026، على مشروعي القانونين عدد 38 و39 لسنة 2026 المتعلّقين باتفاقيات ضمان قروض من البنك الدولي للإنشاء والتعمير لفائدة الشركة التونسية للكهرباء والغاز، لتمويل برنامج تحسين نجاعة وفاعلية وحوكمة قطاع الطاقة في تونس بقيمة جملية تقدر بـ430 مليون دولار أمريكي.
وبذلك، يتزامن الإعلان عن هذا التمويل الموجه لتحسين حوكمة قطاع الطاقة مع الأسبوع نفسه الذي شهد انقطاعات غير مسبوقة في مناطق واسعة بالأراضي التونسية.


هل هي المرة الأولى التي ينقطع فيها التيار الكهربائي في تونس؟
لم تكن هذه المرة الأولى التي ينقطع فيها التيار الكهربائي في تونس، ذلك أن البلاد عاشت خلال السنوات الأخيرة حادثتي انقطاع للتيار على كامل البلاد. الأولى كانت يوم 31 أغسطس 2014، عندما انهارت الشبكة و قطعت الكهرباء على كامل البلاد.
وبحسب التقرير النهائي للجنة المستقلة للتحقيق في حادثة الانقطاع الكلي للتيار الكهربائي فإن السبب خلف ذلك هو وقوع 4 حوادث ميكانيكية متتالية ومتزامنة على مستوى منظومة الانتاج و نقل الطاقة تسببت فيها صاعقة قوية أدت الى قطع سلك كهربائي أدى بدوره الى وقوع دارة قصر كهربائي على مستوى شبكة الجهد العالي.
أما المرة الثانية فكانت في الليلة الفاصلة بين 19 و20 سبتمبر 2023 حيث انقطعت الكهرباء عن كامل البلاد من الساعة الواحدة ليلا الى الساعة الخامسة صباحا وقد فسرت وزارة الصناعة والطاقة و المناجم في بلاغ صادر عنها أن السبب يعود إلى عطب فني.
رغم أنها ليست المرة الأولى التي تشهد فيها تونس انقطاع للتيار الكهربائي إلا أن الانقطاعات السابقة استمرت لبعض ساعات فقط، أما ما تشهده حاليا من انقطاعات متكررة ومتزامنة ومستمرة لساعات ولأيام في عدة جهات تعتبر الأولى من نوعها.
وتسببت الانقطاعات المتكررة الى خسائر مادية في العديد من المشاريع الاقتصادية، و تأتي هذه الأزمة في الوقت الذي تعيش فيه تونس على وقع أزمة اقتصادية و اجتماعية خاصة في علاقة بتراجع المقدرة الشرائية للمواطن و تعدد الصعوبات التي تمس أغلب الخدمات الأساسية لعل أهمها التزود بالأدوية والنقل، وهو ما زاد من الضغط الذي يعيشه المواطن يوميا.

وتتزامن هذه التطورات المتسارعة مع اقتراب يوم 25 يوليو، الذي يوافق إحياء عيد الجمهورية، وذكرى الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيد في 25 يوليو 2021، والتي أفضت لاحقا إلى تغيّر المشهد السياسي في البلاد وصياغة دستور 2022.
وتبقى الأسباب الكاملة للانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي في تونس غير واضحة حتى تاريخ إعداد هذا التقرير. وقد تكون هناك أسباب أخرى لم يذكرها المسؤول أو التقارير الرسمية المنشورة، يصعب حصرها أو التحقق منها نظراً للأوضاع التي تعيشها البلاد من حيث محدودية النفاذ إلى المعلومة الرسمية.