فخ السرعة: كيف يقود السباق
المصدر: CNN

في الأيام الأولى من الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط/فبراير 2026، تزايدت وتيرة تدفق مقاطع الفيديو والصور، التي زعم ناشروها أنها توثق ضربات عسكرية وانفجارات في أماكن مختلفة داخل إيران ودول الخليج وبلاد الشام والعراق وإسرائيل. 

هذه الادعاءات جرى تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تجد طريقها إلى منصات إعلامية أو صفحات إخبارية من دون تحقق كافٍ من صحتها؛ ما يضفي عليها نوعاً من المصداقية لدى المتلقي. كشف التدقيق في عدد من هذه الادعاءات، أن لا علاقة لها بالحرب الدائرة؛ إذ تعود بعضها إلى أحداث وقعت في أماكن أخرى أو في أوقات سابقة، في حين تبيّن أن البعض الآخر مولد بالذكاء الاصطناعي.

هذا التدفق المتسارع للمعلومات غير الدقيقة أو المضللة يعكس ظاهرة أوسع في تغطية الحروب، حيث تتحوّل المنافسة على السبق الصحفي إلى عامل قد يسهم في انتشار التضليل الإعلامي، ما يؤدي إلى تآكل ثقة الجمهور بوسائل الإعلام. 

في هذا التقرير، عملنا على رصد والتحقق من عينة من هذه الادعاءات، التي شملت صوراً ومقاطع فيديو تداولتها وسائل إعلامية مختلفة خلال التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، منذ 28 شباط/فبراير وحتى 15 آذار/مارس 2026.

الاقتطاع من السياق وإعادة التدوير

في 3 آذار/مارس 2026، عقب قصف أميركي إسرائيلي لموانٍ وقواعد إيرانية، منها ميناءا كوناراك وبندر عباس، وفق ما أظهرته صور الأقمار الصناعية، تداولت صفحات ومواقع إخبارية منها الشروق الإخبارية (مؤرشف وقناة TeN (مؤرشف)، والقاهرة الإخبارية (مؤرشف) مقطعاً مصوراً، تحت عنوان "بالفيديو.. انفجار هائل جراء غارات أميركية استهدفت موانئ بحرية إيرانية".

صور الأقمار الصناعية لقصف ميناء كوناراك - 28 فبراير/شباط 2026 وقصف ميناء بندر عباس - 2 مارس/آذار 2026
صور الأقمار الصناعية لقصف ميناء كوناراك - 28 فبراير/شباط 2026 وقصف ميناء بندر عباس - 2 مارس/آذار 2026
لقطات من تغطية "القاهرة الإخبارية" للخبر
لقطات من تغطية "جريدة الشروق" للخبر

لكن التحقق من خلال البحث العكسي عن الفيديو، أظهر أنه يعود إلى 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، لحريق في مركز لوجستي لتوزيع الملابس تابع لشركة "إي-لاند" للأزياء بكوريا الجنوبية، وتحديداً في مدينة تشونان بمقاطعة تشونغتشينغ الجنوبية، وليس له علاقة بالأحداث الأخيرة في إيران. 

لقطة من تداول الفيديو في نوفمبر/تشرين الثاني 2025

وهو ما أكدته مطابقة العناصر الظاهرة في الفيديو مع صور الأقمار الصناعية، عند الإحداثيات (36.73134, 127.10016)، وتمييز المباني والطرقات بعلامات ملوّنة متطابقة.

مطابقة صور الأقمار الصناعية بالعناصر البارزة في الفيديو

مقطع فيديو آخر تداولته مواقع إخبارية يوم 4 آذار/مارس 2026، أبرزها "TeN TV" (مؤرشف) وقناة الرابعة (مؤرشف)، يُظهر دماراً في تل أبيب بزعم أنه نتيجة صواريخ إيرانية خلال الحرب الحالية، والذي انتشر إثر قصف إيراني يوم 3 آذار/مارس 2026 لعدد من مناطق وسط إسرائيل وتل أبيب الكبرى، حيث استهدف صاروخ إيراني مدينة بني براك، وأسفر عن إصابة شخصين، ودمار عدد مبانٍ سكنية وأضرار مادية.

تفاعل المتابعين على فيديو قناة "الرابعة"

لكن البحث العكسي أظهر أن الفيديو قديم، وأُعيد تدويره خلال الأحداث الجارية، ويرجع إلى تاريخ 15 حزيران/يونيو 2025 خلال التصعيد بين إيران وإسرائيل حينها، فيما عُرف بحرب الاثنى عشر يوماً في الفترة من 13 حتى 24 حزيران/يونيو من العام نفسه.

تغطية الحدث في حزيران/يونيو 2026

ويُظهر الفيديو، الذي تتطابق معه لقطات أخرى لوكالة الصحافة الفرنسية (AFP) للحدث نفسه، مشاهد الدمار الذي تعرضت له مدينة بات يام جنوب تل أبيب، بعد استهدافها بصواريخ إيرانية.

المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي، جعل وقوع غرف الأخبار في فخ التضليل أكثر سهولة، خاصةً مع ضغط النشر السريع والسبق الصحفي؛ إذ يمكن للأدوات إنتاج صور ومقاطع فيديو واقعية نسبياً، تبدو للوهلة الأولى وكأنها حقيقية.

ففي سياق إعلان وزارة الداخلية البحرينية، عبر حسابها على موقع "إكس" في 1 آذار/مارس 2026، عن استهداف مبنى سكني بالعاصمة البحرينية المنامة من قبل إيران، نشرت مواقع إخبارية مثل "ten news" و"الأخبار الجزائرية العربية" و"بريس إكسبريس"، بتاريخ 2 آذار/مارس 2026، مقطع فيديو يزعم استهداف مسيّرة إيرانية لمبنى سكني في المنامة، ولم تُعلن أي جهة إيرانية مسؤوليتها عن الحدث.

تداول الفيديو على صفحة TeN News على "فيسبوك"

فيما رجحت أدوات التحقق من المحتوى مثل "hive detection" و"Decopy" أن الفيديو مولّد بالذكاء الاصطناعي بنسبة 99 في المئة.

لقطة من أداة Hive Moderation للتحقق من الفيديو

وفي سياق الاستهداف الإيراني لتل أبيب وعدد من المناطق الإسرائيلية، وإعلان ناداف شوشاني المتحدث الدولي باسم الجيش الإسرائيلي، استخدام إيران لصواريخ تحمل ذخائر عنقودية، تداولت صفحات ومواقع إخبارية يوم 3 آذار/مارس 2026، منها جريدة الشروق، وقناة CNBC عربية، وموقع تحيا مصر، مقطع فيديو يزعم استهداف تل أبيب بصاروخ إيراني ذي رأس حربي عنقودي.

تناول موقع CNBC عربية للفيديو

التحقق من الفيديو، عبر التحليل البصري لعدد من المشاهد، أظهر أنه غير حقيقي، كما رجحت أدوات التحقق من المحتوى مثل "HIVE MODERATION" أن الفيديو مولد بالذكاء الاصطناعي.

لقطة من أداة Hive Moderation للتحقق من الفيديو

يُذكر أن كلاً من جريدة الشروق وقناة CNBC عربية حذفتا الفيديو لاحقاً، لكن ليس من جميع حساباتها حتى تاريخ نشر هذا التقرير، ما يشير إلى تراجع الوسيلتين عن نشره بعد أن تحققت جهات أخرى من محتواه؛ ما يعكس طبيعة الضغوط التي تواجه غرف الأخبار في أوقات الحروب، إذ يؤدي السعي إلى السبق الصحفي ومواكبة "الترند" إلى نشر مواد غير دقيقة عن غير قصد.

وفي ظل هذا الواقع، تصبح الحاجة ملحة إلى تعزيز آليات التدقيق قبل النشر داخل غرف الأخبار الرقمية، وتطوير مهارات الصحفيين في التحقق من المحتوى البصري والرقمي، خاصة في أوقات الأزمات والحروب التي تشهد تدفقاً كثيفاً للمعلومات. فالحفاظ على دقة المعلومات لا يمثل فقط معياراً مهنياً للعمل الصحفي، بل يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل الإعلامي وحماية ثقة الجمهور في وسائل الإعلام.

أنجز هذا التقرير بالتعاون بين أريج وتفنيد

المصادر

لن نشارك بريدك الإلكتروني مع أي جهات أخري. تم وضع علامة على الحقول المطلوبة *

يرجى إدخال الاسم الكامل
يرجى إدخال بريد إلكتروني صالح
يرجى إدخال الرسالة