بين تسويق

كرر حسن الرداد، وزير العمل المصري، في أكثر من مناسبة بين 21 يونيو و9 يوليو 2026، وصف قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 بأنه حقق "توازناً" بين العمال وأصحاب الأعمال ونال إشادة دولية من منظمة العمل الدولية، لما تضمنه من تطوير شامل لفلسفة تنظيم علاقات العمل ومواكبة المتغيرات الحديثة.

وأوضح في 25 يونيو 2026، أن القانون يمثل نقلة نوعية مقارنة بالتشريعات السابقة، حيث يعالج العديد من القضايا المرتبطة بعلاقات وعقود العمل، ويرسخ مفهوم الشراكة بين طرفي الإنتاج، بما يحقق الاستقرار داخل مواقع العمل ويعزز الإنتاجية ويشجع على جذب المزيد من الاستثمارات.

بدا لـ"تفنيد"، تضاربًا بين تصريحات الوزير وبين ما شهدته مصر في الفترة التي أعقبت إصدار قانون العمل الجديد 2025 والذي بدأ منذ سبتمبر 2025، من سلسلة متصلة من الاحتجاجات العمالية، ومنها إضرابات في مصانع النسيج، وفصل جماعي في شركات صناعية كبرى، ووقفات وإلقاء القبض على موظفين حكوميين لم يتقاضوا أجورهم منذ سنوات.

رصد "تفنيد" أبرز محطات هذه الاحتجاجات منذ يناير 2026 حتى يوليو من العام نفسه، والذي يشير إلى اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع داخل مواقع العمل. 

أرقام 2025 تكشف حجم الأزمة:

في البداية كشفت أحدث نتائج الرصد والتحليل من دار الخدمات النقابية والعمالية "منظمة غير حكومية" لواقع العمالة لعام 2025، عن تسجيل 67.233 عاملاً متضرراً على مستوى الجمهورية، وأشارت إلى تصدر القطاع الخاص المشهد باعتباره الأكثر تأثراً، إذ سجّل 43.070 عاملاً متضرراً، أي ما يمثل 64% من إجمالي المتضررين، يليه قطاع الأعمال العام بـ19.795 عاملاً (29.4%)، بينما جاء القطاع الحكومي والقطاع العام بنسب أقل بلغت 2.568 و1.800 عامل على التوالي.

أما على صعيد الانتهاكات الموثقة، فقد تصدر قطاع الأعمال العام القائمة بـ28 حالة انتهاك، تلاه القطاع الخاص بـ23 حالة، ثم القطاع الحكومي بـ6 حالات، وحالة واحدة في القطاع العام، مع الإشارة إلى وجود حالات انتهاك أخرى لم يُتوصل إلى بيانات دقيقة حول عدد العاملين المرتبطين بها.

وأظهرت البيانات تصدُر قائمة المنشآت الأكثر تسجيلاً للانتهاكات شركة مياه الشرب والصرف الصحي بـ 8 حالات، تليها مصانع شركة السكر بـ 6 حالات، حيث تتبع كلتاهما قطاع الأعمال العام، كما تم رصد 3 حالات انتهاك في شركة "بلبن للحلويات" التابعة للقطاع الخاص، مع تكرار هذه الانتهاكات في المنشآت الحيوية التابعة لقطاع الأعمال العام، وهو ما أرجعته إلى وجود خلل هيكلي في إدارتها لعلاقات العمل.

من الأجور المتوقفة إلى الفصل التعسفي:

واجه قطاعا الزراعة والشباب والرياضة، أزمات وأوضاعاً قاسية نتيجة عدم صرف رواتبهم لسنوات، رغم التزامهما بواجباتهما الوظيفية، مما دفع العاملين فيهما إلى تنظيم وقفات احتجاجية ومسيرات للمطالبة بمستحقاتهم، وهو ما طالب به نواب بالبرلمان منهم النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بالمجلس، والنائب مصطفى البنا، عضو المجلس.

وتتواصل احتجاجات نحو 3700 عامل في وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، للمطالبة بصرف رواتبهم المتوقفة منذ سنوات، واستمرار تشغيلهم فعليًا داخل مواقع العمل دون صرف أجورهم المستحقة، رغم حصولهم على أحكام قضائية وقرارات تعيين، وفي 10 يوليو 2026 تم القبض على ما لا يقل عن 6 من العاملين من محافظات مختلفة، وذلك على خلفية مشاركتهم في التحركات الاحتجاجية، وتم اخلاء سبيلهم بعد ذلك، وفقًا للمفوضية المصرية للحقوق والحريات.

عمال وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي

كما تعرض 23 عاملاً لفصل جماعي تعسفي مع حرمانهم من الأجور من شركة الرواد للخدمات الأمنية، بالإضافة إلى احتفاظ الشركة بإيصالات أمانة ومستندات موقعة من العمال عند التعيين.

فيما شهدت شركة يونيون إير فصل 15عاملا بشكل مفاجئ، وتقديم بعضهم شكوى عبر حسابات موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" مع ضغوط لتوقيع استقالات، وتأخر صرف عمولات المئات منذ يناير 2026.

وشهد نحو 850 عاملاً بشركة "إنتر كايرو لصناعة الألومنيوم" بالمنطقة الصناعية في مدينة السادس من أكتوبر، توقف الإدارة عن صرف الأجور منذ أكتوبر 2025، بالتوازي مع حرمان العمال من مظلة الرعاية الصحية والتأمينية وما ترتب على ذلك من وقف خدمات العلاج وصرف الأدوية.

وأقدم مصنع بيراميدز للإطارات على فصل 200 لـ225 عامل وحرمانهم من مستحقاتهم المالية، إلى جانب ممارسة ضغوط لإجبار بعضهم على توقيع استقالات قسرية وخصم 2000 جنيه من بدل الحافز لعمال آخرين. 

وأوضحت المفوضية في يونيو 2026، اتساع رقعة الاحتجاجات داخل شركات المياه، بعدما امتدت من القليوبية إلى القاهرة والعاشر من رمضان، بما يعكس تحولها من شكاوى محلية داخل بعض الفروع إلى أزمة أوسع ترتبط بالأجور والعلاوات المتأخرة والاستقرار الوظيفي وأنماط التشغيل، وسط شكاوى من تعرض العاملين لضغوط لتغيير طبيعة علاقات العمل القائمة. 

بعد أيام قليلة فقط من دخول القانون حيز التنفيذ في سبتمبر 2025، رفضت إدارة شركة "لينين جروب" منح عاملة إجازة لإسعاف ابنتها المريضة، فتوفيت الطفلة "سيليا" بعد خروج والدتها من مقر الشركة مباشرة، فيما احتج العمال ودخلوا في إضراب مفتوح، وبعد أيام أعلن وزير العمل التسوية الودية مع العاملة وعودة عجلات الإنتاج إلى الدوران بكامل طاقاتها وتنفيذ المطالب العمالية المشروعة.

الفجوة القانونية في نص التشريع نفسه:

تؤكد "دار الخدمات النقابية والعمالية" و"المبادرة المصرية"، وجود بعض المواد الخلافية ومنها غياب الأمان الوظيفي، واستمرار مواد تسمح بفصل العمال وفقًا لرؤية صاحب العمل دون ضوابط واضحة،  وتقليص نسبة العلاوة الدورية من 7% إلى 3% فقط، ما يؤدي إلى تآكل دخل العمال في ظل التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.

ورصدت بيانات المنظمتين، فرض قيود مشددة على ممارسة الحق في الإضراب، بما يحرم العمال من أحد أبرز أدواتهم في الدفاع عن حقوقهم، واستبعاد عاملات المنازل من نطاق تطبيق القانون، وهو ما يُعد تمييزًا صارخًا ضد فئة واسعة من العاملات، وتقنين أوضاع وكالات الاستخدام، التي تمثل خطرًا على استقرار العمال وتؤدي إلى استقطاع جزء من أجورهم. 

 

سوق العمل المصري: صعود في الأرقام وتحديات في "الاستقرار الوظيفي" 

تكشف بيانات النشرة السنوية المجمعة لبحث القوى العاملة، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، عن مسار متذبذب في استقرار العمل خلال السنوات الـ5 الأخيرة، فبين عامي 2021 و2024، ارتفعت نسبة العمالة "المؤقتة" من إجمالي المشتغلين من 6.01% إلى 9.31%، فيما زادت نسبة العمالة "الموسمية" من 0.97% إلى 1.48%، في مؤشر على تصاعد تدريجي لأشكال العمل الأقل استقراراً على مدار ثلاث سنوات متتالية. 

وتوضح بيانات عام 2025 سيرًا في الاتجاه المعاكس، إذ قفزت نسبة العمالة "الدائمة" إلى 78.07% من إجمالي 32 مليون مشتغل، وهي أعلى نسبة تسجَّل خلال الفترة كاملة، بينما تراجعت نسبة العمالة المؤقتة إلى 6.60% والمتقطعة إلى 14.37%، ويبين الرسم البياني التوضيحى التالي اجمالي المشتغلين فوق الـ15 من متقطع وموسمي ومؤقت ودائم خلال الـ5 سنوات الماضية.

مصر في التصنيفات الدولية

بحسب "مؤشر الحريات النقابية العمالية" الصادر في 10 مارس 2025 عن اتحاد نقابات العمال العرب، والذي رصد أوضاع الحريات النقابية والعمالية خلال عام 2024، جاءت مصر ضمن أسوأ عشر دول في العالم بالنسبة للعمال، وفي المركز الأخير، بأسوأ تصنيف ممكن وهو الفئة (5) التي تعني "لا ضمان للحقوق".

وفي السياق ذاته، أظهر "مؤشر الحقوق العالمية" الصادر عن الاتحاد الدولي لنقابات العمال في نسخته لعام 2026 أن مصر حافظت على تصنيفها ضمن أسوأ 10 دول في العالم في حقوق العمال، وهو الموقع الذي تشغله منذ إطلاق المؤشر عام 2014، مع توقعات بتدهور الأوضاع خلال السنوات المقبلة. 

ومنح المؤشر مصر الدرجة 5 (لا ضمان للحقوق)، وهي الفئة التي تسبق مباشرة فئة "5+" المخصصة للدول التي انهارت فيها سيادة القانون بالكامل نتيجة نزاع داخلي أو احتلال عسكري. 

ويقيّم المؤشر، في نسخته الثالثة عشرة، أوضاع العمال في 151 دولة استناداً إلى 97 مؤشراً مستمدة من اتفاقيات منظمة العمل الدولية.

ويذكر أن واصلت الحكومة فرض احتكارها على الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، عبر عرقلة تسجيل النقابات المستقلة، إذ لم تتمكن 14 نقابة على الأقل من ممارسة نشاطها حتى عام 2026، ما ترك ملايين العمال في مختلف أنحاء البلاد بلا تمثيل نقابي فعلي.

الاتحاد الدولي لنقابات العمال

الخلاصة:

بين خطاب رسمي يتحدث عن "توازن" و"شراكة" و"إشادة دولية"، ووقائع موثقة من مسيرات احتجاجية وشكاوى فصل تعسفي وأجور متأخرة لسنوات وتصنيفات دولية تضع مصر في ذيل قائمة الدول من حيث حقوق العمال، تتكشف صورة مغايرة تماماً لما يعرضه الخطاب الرسمي في هذا الشأن.

المصادر

لن نشارك بريدك الإلكتروني مع أي جهات أخري. تم وضع علامة على الحقول المطلوبة *

يرجى إدخال الاسم الكامل
يرجى إدخال بريد إلكتروني صالح
يرجى إدخال الرسالة