على مدار الأشهر الماضية، تحولت مياه الخليج العربي ومضيق هرمز من شريان حيوي للاقتصاد العالمي إلى مسرح مفتوح لعمليات عسكرية متداخلة، ولم يعد النفط هو السلعة الوحيدة التي يُدفع ثمنها في هذا الصراع، بل أصبحت أرواح آلاف البحارة هي "العملة" الأكثر تكلفة في تصفية الحسابات الجيوسياسية المشتعلة منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران في فبراير 2026.
وأدان الاتحاد الدولي لعمال النقل (ITF) التصعيد الحاد الجديد في الهجمات التي تستهدف السفن التجارية وعمال النقل، مشيرًا إلى أن "التصعيد الذي نشهده بالقرب من مضيق هرمز يحصد مرة أخرى أرواح بحارة أبرياء، ويجب أن يتوقف فوراً، ومع اتساع نطاق الهجمات في دول المنطقة، يُجر بعمال النقل مرة أخرى في صراع ليسوا طرفاً فيه".
يختصر الواقع الميداني في الممرات المائية لغة الأرقام الصادمة؛ فبينما تراقب المنظمة البحرية الدولية عن كثب التطورات لحماية أكثر من 20 ألف بحار في المنطقة، تواجه خطوط الملاحة تحديات غير مسبوقة، ومنها وجود نحو 6 آلاف بحار من العالقين على متن السفن المحتجزة، وقفز إجمالي الحوادث المؤكدة إلى 58 حادثة أسفرت عن مقتل 17 بحاراً حتى 16 يوليو 2026.
يرصد فريق "تفنيد" حجم الهجمات والانتهاكات التي طالت السفن الناقلة والتجارية المرتبطة بدولة الإمارات وهي الأبرز (سواء بالملكية، أو الإدارة، أو التشغيل)، والتي تكشف عن حجم الكارثة الإنسانية وانهيار منظومة الحماية الأمنية في المنطقة، وفقًا لبيانات المنظمة البحرية الدولية.
من الصواريخ إلى القراصنة.. تتبع عكسي لشظايا الصراع في الخليج
في 14 يوليو: أعلنت وزارة الخارجية الهندية، تعرض ناقلتي نفط لحادث بحري، وهما (Mombasa) و(Al Bahiyah)، والسفينتان ترفعان علم ليبيريا وتقلّان 30 بحارًا هنديًا ضمن طاقم مكوّن من 46 فردًا.
ومن بين المواطنين الهنود 12 على متن سفينة النفط الخام "AL BAHYAH" رقم التسجيل: 9937799 IMO، وكانت وجهتها ميناء صقر، فقد أحدهم حياته بشكل مأساوي وأصيب آخر.
وبُنيت السفينة عام 2023، وتبلغ حمولتها 299,425 طنًا متريًا، وطولها الإجمالي 336 مترًا، وسُجلت آخر مرة وهي تسير ووجهتها ميناء الفجيرة، وهي مملوكة بالكامل لشركة أدنوك للإمداد والخدمات، التي تعمل ضمن الأسطول المخصص لنقل صادرات النفط الخام الإماراتي إلى الأسواق العالمية.

في 11 يوليو: تعرضت سفينة الحاويات (GFS GALAXY) التي بُنيت عام 2009، رافعة علم قبرص رقم تسجيلي:9401271 IMO، والمملوكة لشركة "Global Feeder Shipping" الإماراتية، لحادث بحري عند نقطة تبعد 9 أميال بحرية شرق سواحل سلطنة عُمان، وأسفر الحادث عن وقوع أضرار مادية بهيكل السفينة ومصرع أحد أفراد طاقمها.
وكشف اتحاد البحارة للأمام في الهند (FSUI) في 13 يوليو 2026، اختفاء ضابط الهندسة الهندي (Herambh Karmarkar) بعد هجوم إيراني على السفينة في مضيق هرمز، مشيرًا إلى أن أفراد الطاقم غادروا السفينة بسبب الحريق والأضرار الجسيمة في غرفة المحركات، وتم إنقاذ 10 من أفراد الطاقم الهنود.
وشهدت سفينة الحاويات "GFS Galaxy" وفقًا لموقع "equasis" عدة تغييرات في أسمائها والأعلام التي رفعتها منذ عام 2009 وحتى الوقت الحالي، سُجلت لأول مرة باسم "Ilse Wulff" في 1 يناير 2009، ثم تغير اسمها إلى "Al Khor" في 1 مارس 2009، قبل أن يعود اسمها مجدداً إلى "Ilse Wulff" في 1 مارس 2012. ولاحقاً تم تعديل الاسم إلى "Crete I" في 1 نوفمبر 2016، إلى أن اعتُمد اسمها الحالي والأحدث "GFS GALAXY" بدءاً من 1 يونيو 2021.
وتزامناً مع هذه التبدلات في الهوية، مر السجل التاريخي لأعلام السفينة بمحطات مختلفة؛ حيث بدأت برفع علمي ألمانيا وليبيريا في 1 مارس 2009، واستمر التناوب تحت هذين العلمين مع تغيير الاسم في 1 نوفمبر 2016، وفي 1 يونيو 2021، انتقلت السفينة لترفع علم جزر مارشال بالتزامن مع تسميتها الحالية، وصولاً إلى 1 أكتوبر 2025 حيث سُجلت تحت العلم القبرصي، وهو العلم الحالي والنافذ للسفينة.

في 9 يونيو 2026، أُعلن ضرب الجيش الأمريكي لناقلة النفط "SETTEBELLO"، والتي تبحر تحت علم بالاو برقم تسجيلي: 9162916 IMO، بدعوى انتهاكها الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، وكان على متنها 24 بحارًا هنديًا، أُنقذ 21 منهم، بينما تأكدت وفاة 3 بحارة هنود، وفقًا لوزير النقل البحري الهندي.
الناقلة التى بنيت عام 1997، تتبع لشركة IOS MARINE – FZE، وهي شركة تديرها الإمارات، وتُظهر البيانات الرسمية المسجلة لدى قاعدة البيانات البحرية "IHS Maritime" التغييرات التاريخية التي طرأت على أسماء وعلم ناقلة النفط "SETTEBELLO". وحسب سجل الأسماء، حملت الناقلة اسم "Theoni" في 1 أبريل 2017، ثم تغير إلى "Christine" في 1 أغسطس 2019، وتلاه اسم "Hana" في 1 أغسطس 2020، قبل أن تُسجّل باسم "Seta" في 1 ديسمبر 2023، وصولاً إلى اسمها الحالي "SETTEBELLO" المعتمد منذ 1 نوفمبر 2025.
وتزامناً مع تبدل الأسماء، شهد سجل الأعلام تنقلاً مستمراً؛ ورفعت الناقلة علم اليونان خلال عام 2001، ثم علم ليبيريا في أبريل 2017، وعلم جزر القمر في أغسطس 2019، ولاحقاً سُجلت تحت علم تنزانيا في أغسطس 2020، وعلم الغابون في نوفمبر 2020، وعلم غيانا في يونيو 2021، وعلم ساموا في سبتمبر 2021، قبل أن تعود إلى علم تنزانيا في أبريل 2022، ثم علم الكاميرون في ديسمبر 2023، وصولاً إلى علم جمهورية بالاو وهو العلم الحالي المعمول به منذ 1 نوفمبر 2025.

في 2 مايو: تعرضت البارجة "BADR" الموصولة بالقاطرة "VOLANS" برقم تسجيل: IMO 9298856، التي ترفع علم الإمارات وبنيت عام 2004، وتُشغلها شركة "MUBARAK MARINE LLC" لهجوم أحدث أضراراً بهيكل البارجة دون وقوع تسرب بيئي، وأدى إلى مقتل بحار واحد، وفقًا لبيانات المنظمة البحرية الدولية.
وأعربت المؤسسة التنزانية للوكالات الملاحية (TASAC) في 19 مايو 2026، عن بالغ حزنها إثر وفاة القبطان التنزاني "Mchama Maregesi Mongu"، أثناء عمله بـ"VOLANS.

قراصنة الصومال يحولون "Eureka" إلى سجن عائم للبحارة المصريين:
في 2 مايو: تعرضت أيضًا ناقلة المنتجات النفطية (Eureka) التي تحمل رقم المنظمة البحرية الدولية (IMO: 1022823) وبنيت عام 2006، وترفع علم توغو، للاختطاف قبالة سواحل محافظة شبوة من قِبل مجموعة من المسلحين هم 9 صوماليين يحملون أسلحة متنوعة، من بينها قذائف RPG، وتضم 12 بحارًا من الجنسيتين المصرية والهندية.
ومن الناحية الفنية تعود ملكية الناقلة Eureka، التي شُيّدت عام 2006 لشركة "ROYAL SHIPPING LINES INC"، ويقع مقرها في الإمارات، السفينة حملت اسم (EUREKA) بدءاً من تاريخ 1 يوليو 2024، بعد أن كانت تُعرف سابقاً باسم آخر وهو (Dahab) منذ عام 2023، و(Franklin 3)، و(Da Dong Fang 19) الذي يعود لعام 2006، وكلها موثقة عبر مصدر البيانات المشترك "IHS Maritime".
وبالتوازي مع تغيير الأسماء، يكشف القسم الثاني المتعلق بالسجل التاريخي للأعلام وترفع السفينة حالياً علم توجو منذ 1 أكتوبر 2023، بعد أن تنقلت سابقاً بين علم غينيا بيساو في يوليو 2023، وعلم الصين في مارس 2006.
فيما تستمر أزمة البحارة المصريين المحتجزين الـ8، وأوضح المهندس أكرم مختار، والد الربان مؤمن، أحد البحارة المحتجزين في 15 يوليو2026، أن البحارة يعيشون منذ أكثر من 70 يومًا في ظروف إنسانية قاسية، تتضمن نقصًا في مياه الشرب الصالحة، وتدهورًا في أوضاعهم الصحية والنفسية، متهما مالك السفينة بالتسبب في إطالة أمد الأزمة، معتبرًا أنه لم يُنجز إجراءات دفع الفدية رغم توافر التسهيلات اللازمة.

اختراق قواعد الاشتباك والهجوم على سفينة الظل
في 6 مارس: تعرضت القاطرة البحرية "MUSSAFAH 2" برقم تسجيل: IMO 9522051 وبنيت عام 2012، وتابعة لشركة "ABU DHABI MARINE SERV SAFEEN" الإماراتية، لهجوم قذائف إيرانية أثناء تقديمها المساعدة لناقلة الحاويات "Safeen Prestige" التي تضررت في المنطقة، أسفر ذلك عن مقتل 4 بحارة وإصابة 3 آخرين بجروح خطيرة، والبحارة من الهند، وإندونيسيا، والفلبين.
السفينة تحمل اسم (MUSSAFAH 2) منذ دخول هذا التعديل حيز التنفيذ في 1 أكتوبر 2022، بعد أن كانت تبحر سابقاً بأسماء متعددة هي (Sea Mistral) منذ مارس 2022، و(Ocean Mistral) منذ فبراير 2019، و(Tsc Vira) الذي يعود لسبتمبر 2012، وذلك بحسب بيانات مؤسسة "IHS Maritime".
وبالتوازي مع ذلك، يُظهر القسم الثاني التحول في تبعية السفينة؛ حيث ترفع علم الإمارات منذ 1 أكتوبر 2022، بعد أن كانت مسجلة وتعمل سابقاً تحت علم دولة (St.Kitts and Nevis) منذ سبتمبر 2012، مما يثبت بشكل قاطع ارتباطها السيادي والقانوني الكامل بالإمارات خلال فترة استهدافها الأخيرة.

وفي 1 مارس: تعرضت السفينة النفطية (SKYLIGHT)، المسجلة برقم IMO 9330020، وترفع علم بالاو، وقد بُنيت في عام 2006، وتُدار وتُشغّل من قِبل شركة مقرها الإمارات، وتحديداً شركة "Red Sea Ship Management LLC"، لهجوم من قذائف إيرانية، وتم إخلاء الطاقم المكون من 20 فرداً "(15 يحملون الجنسية الهندية و5 يحملون الجنسية الإيرانية) وإصابة 4 منهم، ووفاة اثنين هنود.
السفينة "SKYLIGHT" ليست مجرد سفينة نفطية فهي رسمياً تصنف "ممتلكات محظورة"، ومدمجة بالكامل في شبكة تهريب لوجستية خاضعة للعقوبات الدولية، وفقًا لبيانات وزارة الخزانة الأمريكية (OFAC)، الصادرة بتاريخ 18 ديسمبر 2025، تندرج السفينة تحت برنامج العقوبات "IRAN-EO13902"، ونقلت السفينة مئات الآلاف من براميل زيت الوقود والبيتومين الإيرانيين داخل الخليج العربي، وصنفتها كجزء من الأسطول الإيراني غير الرسمي.
وشهد سجل السفينة تنقلاً مستمراً في أسمائها والبلدان التي رفعت أعلامها وفقاً لبيانات IHS Maritime، فمنذ سبتمبر 2006، بدأت السفينة مسيرتها تحت اسم Clipper Krystal حاملةً علم جزر البهاما، لتتغير أسماؤها لاحقاً عبر السنوات إلى Harbour Krystal (عام 2011) ثم Caribe Cristina (عام 2015) بالتزامن مع تحول علمها إلى ليبيريا.
وفي أكتوبر 2021، أُطلق عليها اسم Mermaid ورفعت علم سانت كيتس ونيفيس، تلا ذلك تغيير اسمها إلى Al Moustafa في يونيو 2023 مع انتقالها لرفع علم جمهورية بالاو، وأخيراً سُجلت السفينة باسمها الحالي SKYLIGHT بدءاً من مطلع يناير 2025، في حين أُدرجت حالتها في خانة العلم تحت تصنيف "غير معروف" منذ الأول من يناير 2026.

يظهر تحليل البيانات بين هجمات الخليج وانحرافات سفن القرن الإفريقي، أن استمرار استهداف الناقلات التجارية وتحويل الممرات المائية إلى ساحات لتصفية الحسابات —سواء بالصواريخ الإيرانية، أو بالضربات الأمريكية، أو عبر تلاعب شركات "الأسطول المظلم"— ينذر بكارثة إنسانية متفاقمة.
وما دامت الحماية الدولية قاصرة، والشركات المشغلة مختفية، سيبقى البحارة بمختلف جنسياتهم يدفعون الثمن الأغلى من دمائهم وحريتهم لضمان استمرار تدفق الطاقة في شرايين الاقتصاد العالمي.