الادعاء مضلل
الأثر المحتمل: تشوه وعي الجمهور بقضايا الشأن العام
أتذكر في ميزانية 2018 وقع الترفيع (زيادة الأسعار) في الكحول.. وقعت مظاهرات كثيرة على هذه المسألة فقط.. قلت لهم هل ستصير ثورة في البلاد على الترفيع في سعر الكحول؟ راهي الحاجة الوحيدة في ميزانية الدولة التي وقع الترفيع فيها في الكحول.. الآن الزيادات في كل شي مش فقط الكحول.
الخلاصة

الادعاء "مضلل"، إذ أقرّ قانون المالية لسنة 2018 بالفعل رفع أسعار بعض المشروبات الكحولية الموردة، لكنها لم تكن الزيادة الوحيدة التي تضمنها القانون، إذ شملت الإجراءات الجبائية عدة منتجات أخرى، وانعكس بعضها فعليا على الأسعار. كما لم تثبت المعطيات المتوفرة أن مظاهرات كثيرة اندلعت بسبب زيادة أسعار الكحول وحدها، إذ ارتبط الجدل والاحتجاج بحزمة من الزيادات وتأثيرها على الأسعار والقدرة الشرائية.

الكحول ليس السلعة الوحيدة التي زاد سعرها في تونس عام 2018
المصدر: BBC

تتبع فريق "تفنيد" تصريح الوزير التونسي الأسبق لأملاك الدولة والشؤون العقارية، في برنامج "اليوم التالي"، على قناة "البلاغ"، بتاريخ 12 أغسطس 2026، والذي ادعى فيه أن ميزانية سنة 2018 شهدت رفع سعر الكحول فقط، وأن مظاهرات عديدة اندلعت بسبب هذه الزيادة وحدها.

وتبيّن أن الادعاء "مضلل"، وذلك بالرجوع إلى قانون المالية لسنة 2018، والمذكرة العامة عدد 17 لسنة 2018 الصادرة عن وزارة المالية، وبيان وزارة التجارة حول الأسعار بعد دخول الإجراءات الجبائية حيز التنفيذ، ومعطيات المعهد الوطني للإحصاء، إضافة إلى تقارير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية حول الاحتجاجات الاجتماعية، وتحليل مركز كارنيغي للشرق الأوسط للاحتجاجات التي شهدتها تونس في يناير 2018، ووثائق صندوق النقد الدولي المتعلقة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي في تونس خلال الفترة نفسها. 

وأقرّ قانون المالية لسنة 2018، المصادق عليه في ديسمبر 2017، جملة من الإجراءات الجبائية التي دخلت حيز التنفيذ بداية من يناير 2018. ومن بين هذه الإجراءات، مراجعة نسب الأداء على القيمة المضافة.

وبموجب الفصل 43 من قانون المالية، تم رفع نسب الأداء على القيمة المضافة، إذ ارتفعت النسبة العامة من 18% إلى 19%، كما ارتفعت النسبتان الأخريان من 6% إلى 7% ومن 12% إلى 13%، كما شمل قانون المالية لسنة 2018، بموجب الفصل 45، مراجعة معلوم الاستهلاك:

مقتطف من الفصل 45 من قانون المالية لسنة 2018 المتعلق بمراجعة معلوم الاستهلاك (المصدر: وزارة المالية)

وتوضح المذكرة العامة عدد 17 لسنة 2018 الصادرة عن الإدارة العامة للدراسات والتشريع الجبائي بوزارة المالية، أن هذه المراجعة تضمنت إخضاع بعض المنتجات لمعلوم الاستهلاك، ورفع المعلوم المستوجب على منتجات أخرى.

وبحسب المذكرة، شمل الإخضاع الجديد لمعلوم الاستهلاك عددا من المنتجات، من بينها العطور وبعض مستحضرات التجميل والشوكولاتة والبسكويت والصلصات المحضّرة، ومنتجات كانت خاضعة قبل سنة 2018، من بينها المشروبات الكحولية وماء الحياة، إضافة إلى بعض مواد البناء، مثل الرخام والترافرتين والجرانيت، والدراجات النارية التي تتجاوز سعة محركها 125 صم³، وتحدد المذكرة في ملحقها الثاني نسب معلوم الاستهلاك المستوجبة على هذه المنتجات قبل التعديل وبعده.

ولم تقتصر التغييرات التي دخلت حيز التنفيذ بداية سنة 2018 على مراجعة المعاليم والأداءات، بل تزامنت أيضا مع ارتفاع في أسعار عدد من المنتجات والخدمات، وتُظهر معطيات المعهد الوطني للإحصاء أن مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي ارتفع في يناير 2018 بنسبة 1.1% مقارنة بديسمبر 2017.

وسجّل الشهر نفسه ارتفاعا في أسعار المحروقات بنسبة 2.7%، وهو ما انعكس على أسعار النقل التي ارتفعت بالنسبة نفسها تقريبا، كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 1.1%، في حين سجلت أسعار مواد البناء ارتفاعًا بنسبة 3.8%.

وفي بيان لها عقب دخول الإجراءات الجبائية حيز التنفيذ، نشرت وزارة التجارة أسعار عدد من المواد، موضحة أن بعض المواد المدعمة والخاضعة لنظام تأطير الأسعار لم يشملها أي رفع، ومن بينها السكر والزيت النباتي المدعم والخبز والحليب المدعم. في المقابل سجلت أسعار بعض المواد الخاضعة للأداء على القيمة المضافة زيادات محدودة، من بينها القهوة والشاي والسيارات الشعبية والأدوية المصنعة محليا.

بيان وزارة التجارة حول أسعار منتجات بعد تنفيذ الإجراءات الجبائية - وزارة التجارة

كما أوضحت الوزارة أن المواد الخاضعة لنظام حرية الأسعار شهدت زيادات نتيجة إخضاعها للأداء على القيمة المضافة، إلى جانب إخضاع عدد منها لمعلوم الاستهلاك أو الرفع، وشملت قائمة هذه المنتجات الحلوى والعلكة والشوكولاتة والبسكويت والعصير وبعض المستحضرات الغذائية، إضافة إلى بعض المشروبات الكحولية والرخام والجرانيت والعطور ومستحضرات التجميل والسيارات السياحية.

هل اندلعت احتجاجات في تونس بسبب رفع أسعار المشروبات الكحولية؟

أما الجزء الثاني من الادعاء، والمتعلق بسبب الاحتجاجات التي شهدتها تونس سنة 2018، فيقول المتحدث إن "مظاهرات كثيرة" اندلعت بسبب رفع أسعار المشروبات الكحولية "فقط" في الميزانية. 

وللتحقق من ذلك، راجع فريق "تفنيد" تقارير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، الذي رصد الاحتجاجات الاجتماعية خلال 2018.

ويشير المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى أن احتجاجات يناير 2018 جاءت ضمن نسق متكرر من تصاعد التحركات الاحتجاجية في بداية السنة، ويربط المنتدى هذا التصاعد بالسياق السياسي والاجتماعي العام وبالخيارات الاقتصادية والمالية التي يتم بلورتها في نهاية السنة، والتي يرى أنها تزيد من صعوبات الفئات الاجتماعية الأضعف، ورغم اختلاف مطالب الاحتجاجات ومجالاتها، فإنها تلتقي أساسا حول المسألة الاجتماعية.

وخلال يناير 2018، رصد المنتدى 1490 تحركا احتجاجيا في مختلف ولايات الجمهورية، غالبيتها العظمى تحركات جماعية، ويخلص المنتدى في تحليله إلى أن السبب الرئيسي لهذه الاحتجاجات يرتبط بالآثار السلبية المتوقعة للسياسات الحكومية، وخاصة سياسة التقشف وإدارة الأزمة الاجتماعية.

وفي تحليل نشره مركز كارنيغي للشرق الأوسط في 23 يناير 2018 حول الاحتجاجات في تونس، أشار إلى أن الدافع الأساسي وراء الاحتجاجات كان اقتصاديا، ولا سيما الإجراءات التقشفية المضمّنة في موازنة 2018، والزيادات المفاجئة في أسعار عدد من السلع والخدمات الأساسية.

كما أشار التحليل إلى أن الاحتجاجات عكست استياء أوسع من الأوضاع الاقتصادية خاصة لدى الشباب، ولم يذكر رفع أسعار المشروبات الكحولية ضمن دوافع الاحتجاجات التي عدّدها. 

ولم تكن الاحتجاجات مرتبطة بإجراء جبائي واحد، وفق وثائق صندوق النقد الدولي التي تناولت الوضع الاقتصادي في تونس آنذاك، ففي تقرير للصندوق حول الاقتصاد التونسي، أشار إلى أن الاحتجاجات التي اندلعت في يناير 2018 جاءت في سياق هش اقتصادي واجتماعي، اتسم بتكرار الاحتجاجات واستمرار حالة الإحباط لدى عدد من التونسيين بسبب عدم تحقق تطلعاتهم الاقتصادية والشعور بعدم الإنصاف، كما أشار التقرير إلى أن السلطات أقرت عقب احتجاجات يناير زيادة في التحويلات الموجهة إلى الفئات الأكثر هشاشة.

لماذا نتحقّق من الادّعاء؟

لأن إعلان بيانات أو معلومات خاطئة حول شأن عام، يؤثر بشكل سلبي على شرائح الجمهور المرتبطة بهذا الشأن، سواء كان سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو تنمويًا وغيره من المجالات.

المصادر

التقرير السنوي للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية:
المذكرة العامة عدد 17 لسنة 2018 الصادرة عن الإدارة العامة للدراسات والتشريع الجبائي بوزارة المالية:
تقرير صندوق النقد الدولي حول الاقتصاد التونسي:
صفحة وزارة التجارة وتنمية الصادرات على فيسبوك
مركز كارنيغي للشرق الأوسط:
مشروع قانون المالية 2018 المصادق عليه من مجلس النواب:
معهد الإحصاء: مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي يناير 2018:
قناة البلاغ:

لن نشارك بريدك الإلكتروني مع أي جهات أخري. تم وضع علامة على الحقول المطلوبة *

يرجى إدخال الاسم الكامل
يرجى إدخال بريد إلكتروني صالح
يرجى إدخال الرسالة