في أغسطس 2026، انتشرت على منصة "إكس" منشورات تزعم أن بيانات غذائية جديدة من قطاع غزة تكشف أن المجاعة التي سبق أن أكدت جهات دولية وقوعها لم تحدث أصلًا. وتركز جانب كبير من هذه المنشورات حول نسبة 0.5%.
استُخدمت النسبة في منشورات وتصريحات ومقالات باعتبارها دليلًا على انخفاض سوء التغذية الحاد إلى مستويات تتناقض مع توصيف المجاعة، وانتقلت الرسالة بين حسابات إسرائيلية وأخرى مؤيدة لإسرائيل، قبل أن يدخل مسؤولون ودبلوماسيون على خط السجال.
يتتبع التقرير هذه النسبة والتي تبين أنها صحيحة في ذاتها، لكن المشكلة تكمن في ما الذي تقيسه، ومتى جرى قياسه، ومن شملهم القياس، ثم كيف استُخدمت للإجابة عن سؤال مختلف يتعلق بما حدث قبل نحو عام.
تتبعت "تفنيد" هذه السردية عبر قاعدة بيانات تضم 1,717 منشورًا فريدًا جُمعت بين 21 يوليو و28 أغسطس 2026، وشارك فيها 1,232 حسابًا، ثم حللت أنماط المحتوى وتوقيتات النشر والعلاقات بين أبرز الحسابات المشاركة في السجال.
تحليل المنشورات أظهر أن النسبة لم تُختلق ولكنها وُظفت بشكل" مضلل" واقتُطعت من سياقها الأصلي زمنيًا وجغرافيًا، وتم عزلها عن بقية النتائج ثم توظيفها في إعادة تفسير أزمة سابقة.
السياق الذي أشعل النقاش
في 22 أغسطس 2025، أكد نظام التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) وقوع مجاعة في مدينة غزة، مقدرًا تضرر نحو 500 ألف شخص أي 22% من سكان القطاع اعتبارًا من 15 أغسطس، وقال إن أكثر من نصف مليون شخص في القطاع كانوا يواجهون ظروفًا كارثية تتسم بالجوع والموت.
قوبل هذا الإعلان برفض فوري من حكومة الاحتلال الإسرائيلي التي وصفته بـ"الافتراء"، وبعد مرور عام تقريبًا، وتحديدًا في 23 يوليو 2026، أكدت "اليونيسف" وجود نحو 1.4 مليون شخص، أي 67% من سكان غزة، يواجهون مستويات حرجة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
نقاشات حادة وموجتان منفصلتان
تحليل قاعدة البيانات التي تضم 1.717 منشورًا فريدًا، أظهر تصدر المنشورات الأصلية على المشهد بواقع 728 منشورًا لتمثل 42.4% من الإجمالي، تلتها الردود المباشرة بنحو 616 ردًا وبنسبة 35.9%، ثم الاقتباسات بعدد 373 اقتباسًا بنسبة 21.7%، هذا النمط يشير إلى أن التفاعل كان مدفوعًا بنقاشات حادة ومجادلات مباشرة، وليس مجرد حملات ترويج إلكترونية تقليدية.

النمط الزمني يكشف موجتين منفصلتين
البيانات تكشف عن موجتين منفصلتين من التصعيد، لم يكن تدفق المنشورات مستقرًا على مدار فترة الرصد من 21 يوليو حتى 28 أغسطس 2026، بل تبلور في هيئة موجتين متقطعتين ارتبطتا بشكل وثيق بالأحداث الإخبارية.
انطلقت الموجة الأولى بين يومي 6 و7 أغسطس، حيث قفز معدل النشر اليومي من متوسط لا يتجاوز 15 منشورًا إلى 125 منشورًا دفعة واحدة، متزامنًا مع التغطية الإعلامية الإسرائيلية الأولية.
أما الموجة الثانية، فبدأت ملامحها في التشكل مع تسجيل ذروة مفاجئة بلغت 136 منشورًا في يوم 19 أغسطس، قبل أن تشهد المنصة انقطاعاً شبه تام في اليوم التالي.
ليعود المنحنى للصعود الكثيف والمستمر بين 24 و28 أغسطس، مسجلًا ذروة جديدة بــ132 منشورًا يوم 26 أغسطس، وهو توقيت توافق بدقة مع نشر التصريحات الرسمية وقتها.

وتركزت ذروة النشاط بوضوح عند الساعة 15:00 بتوقيت جرينتش، مسجلة 169 منشورًا، وهو توقيت يتطابق مع ساعات ما قبل الظهر في الساحل الشرقي للولايات المتحدة وساعات المساء في أوروبا وإسرائيل، الأمر الذي انعكس على تحليل الموقع الجغرافي للحسابات المتفاعلة.

خريطة التفاعل الرقمي: هيمنة غربية وإسرائيلية على السجال
شمل التحليل 101 موقع جغرافي مسجلاً في بيانات حسابات المستخدمين المشاركين في هذا السجال على منصة "إكس"، وكشف عن هيمنة واضحة للحسابات الصادرة من إسرائيل والولايات المتحدة؛ إذ تصدرت إسرائيل بمختلف المسميات الجغرافية المدونة (إسرائيل بالإنجليزية والعبرية، القدس، تل أبيب) القائمة بـ 125 تغريدة، تلتها الولايات المتحدة بنحو 68 تغريدة عبر ولايات ومدن مختلفة (منها واشنطن، نيويورك، ميامي، لوس أنجلوس، وسان فرانسيسكو).
كما امتد التفاعل دوليًا ليشمل تكتلات في المملكة المتحدة (33 تغريدة موزعة بين لندن واسكتلندا)، وفرنسا (17 تغريدة بين باريس وألزاس)، وكندا (15)، وأستراليا، وسويسرا، وأيرلندا، بالإضافة إلى مشاركة إقليمية وعربية عبر قطر، السعودية، ولبنان، إلى جانب 33 تغريدة صريحة من داخل غزة والأراضي الفلسطينية. تعتمد هذه القراءة على المواقع التي يذكرها المستخدمون في ملفاتهم الشخصية، ولا تمثل بالضرورة مواقع وجودهم الفعلية.

من يقود النقاش الرقمي؟
رغم مشاركة 1.232 حسابًا فريدًا في النقاش، إلا أن ثقل التأثير تركز في أيدي مجموعة محدودة اتبعت تكتيكات متباينة، برزت حسابات متخصصة في الاقتباس المكثف، مثل حساب "Temp hadtoask"، الذي استخدم الاقتباس حصرًا كأداة للتضخيم أو السخرية.
وتصدرت المشهد حسابات إسرائيلية بارزة في مقدمتها حساب السفير الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة danny danon، والذي اتهم منظمة الأمم المتحدة بالعجز عن "التمييز بين الحقائق والبروباغندا"، وذلك مع نشر مقال The Free Press كأداة لتشكيك في الإحصاءات.
وحساب Max Nordau، والذى قال "قبل عام من اليوم، قام توم فليتشر بترويج واحدة من أكثر الخدع سخافةً على مر العصور، حيث أعلن عن مجاعة في مدينة غزة. لقد كانت خدعة".
كما برز حساب MOSSADil الذي يسهم في دعم الحملات الإعلامية الإسرائيلية، والذى قال "بيانات جديدة من غزة تتحدى مزاعم المجاعة السابقة".
وحساب "GAZAWOOD2" وهو حساب أثبتت تحقيقات استقصائية أنه جزء من شبكة واسعة للتضليل الممنهج. ويقول: "في غزة، احتفل ناجون من المجاعة، لم يبقَ منهم سوى هياكل عظمية، بعريس بين الأنقاض".
وتضمنت المشاركات أيضًا مشاركة سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة Mike Waltz، إذ اعتبر أن ما يروجه المجتمع الدولي بشأن وجود مجاعة في غزة هو "فرية دم" ضد إسرائيل، مشيراً إلى أن البيانات الحديثة تدحض هذه الرواية، واستشهد بنص من منصة "The Free Press" نقلًا عن باحثة أشارت إلى أنها أشرفت على فرق تجمع بيانات سوء التغذية في القرن الأفريقي، ولم تشهد من قبل ظهور السمنة وزيادة الوزن في مكان أُعلن قبل عام فقط أنه يعاني من المجاعة.
فيما انتقد سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة Yechiel (Michael) Leiter تقارير الأمم المتحدة قائًلا إنها تتحدث اليوم عن مشكلة سمنة في غزة بينما كانت تتحدث بالأمس عن مشكلة جوع وتساءل "كيف يعقل ذلك؟"، داعياً القراء للاطلاع على كتاب يصف ادعاءات التجويع بـ "فرية الدم الحديثة".

الوجه الآخر للأرقام.. قراءة متعمقة في نتائج مسح SMART
مثّل الزعم القائل بأن مؤشرات التغذية الحديثة قد "أبطلت" حتمية مجاعة غزة، الوقود الأساسي لحملة التشكيك الممنهجة، بيد أن تقييمات الجهات الحقوقية والتدقيقية المستقلة كشفت عن زيف هذا الادعاء، إذ تُعد بيانات يوليو 2026 مجرد قراءة لواقع مرحلي تشكّل عقب مرور أحد عشر شهرًا على إعلان الأزمة وفي أعقاب محطات من تدفق الإمدادات، ومن ثم يستحيل اتخاذها معيارًا لمراجعة تاريخية بأثر رجعي لحالة القطاع خلال أغسطس 2025.
إن تفكيك السردية الرقمية يتطلب قراءة دقيقة للسياق الكامل لما يحدث في غزة الذي جاءت فيه الأرقام، فوفقًا لنتائج مسح "SMART" المعياري للتغذية لعام 2026، والذي أُجري ميدانيًا بين 31 مايو و15 يونيو 2026 عقب توسع كبير في المساعدات الإنسانية بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر ونُشر في 24 أغسطس، يعيش أطفال غزة وأمهاتهم مشهدًا غذائيًا وصحيًا كارثيًا.
قدّر المسح معدل سوء التغذية الحاد العام (GAM) وفق مؤشر الوزن بالنسبة للطول (WHZ) بنحو 0.5% بين الأطفال دون الخامسة، ووثّق المسح نفسه آثارًا تراكمية خطيرة لسوء التغذية المزمن؛ بلغت نسبة التقزم (مؤشر على ضعف النمو الطولي) بين الأطفال 12.2%، ونقص الوزن 3.9%، رافقها تضاد علمي تمثل في زيادة الوزن بنسبة 4.0%، وهو ما يعزوه الخبراء للانهيار الحاد في جودة النظام الغذائي والاعتماد على سعرات حرارية فارغة.
ولا يُقاس حدوث المجاعة بمؤشر الهزال وحده. إذ يعتمد تصنيف IPC على مجموعة من الأدلة المرتبطة بانعدام الأمن الغذائي الحاد وسوء التغذية والوفيات، كما أن مسح SMART أُجري في مايو ويونيو 2026، بينما يتعلق تصنيف المجاعة بفترة سابقة من أغسطس 2025. لذلك لا تصلح نتيجة لاحقة لمؤشر واحد لإبطال التصنيف السابق بأثر رجعي.
وعلى مستوى تغذية الرضع، كشفت الأرقام عن تدهور بنيوي كبير، إذ لم يحصل سوى 22.4% من الأطفال بين 6 و23 شهرًا على الحد الأدنى من النظام الغذائي المقبول.
واعتمد 73% منهم على أطعمة غير صحية، بينما حُرِم 52.7% تمامًا من تناول أي خضروات أو فواكه، بالتوازي، تفاقمت الأمراض لتسجل إصابة 37.1% من الأطفال بالإسهال، ورغم أن نحو 49.7% من العائلات طلبت الرعاية الطبية لحالات الإسهال من مقدمي خدمات متخصصين، إلا أن نسبة الأطفال الذين تلقوا العلاج الموصى به دوليًا لم تتجاوز 12.3%، مما يشير إلى وجود فجوة في توفر المستلزمات العلاجية الأساسية للأمراض المعوية.
وفيما يخص الرعاية الوقائية وصحة الأمهات، سجل القطاع نسبة تغطية عالية في التطعيم ضد مرض الحصبة بلغت 93.9% بين الأطفال من عمر 9 إلى 59 شهراً، إلى جانب حصول 71.0% من الأطفال على مكملات فيتامين (أ).
وعلى مستوى النساء في سن الإنجاب (15–49 سنة)، وثق المسح استمرار سوء التغذية الحاد بنسبة 9.4% بين النساء غير الحوامل وغير المرضعات، و7.2% بين الحوامل والمرضعات، مما يؤكد الحاجة الماسّة لاستمرار تدفق المساعدات الغذائية والصحية لدعم صحة الأمهات والأطفال.


ويذكر التقرير أن هذه البيانات تعبر حصريًا عن المناطق التي أمكن الوصول إليها إنسانيًا، فقد تم المسح على استبعاد نحو 17% من السكان أي حوالي 358 ألف نسمة لدواعٍ أمنية، مما يجعل أي تحسن ظاهري في الأرقام هشًا وقابلًا للانهيار.

تدمير البنية التحتية.. سياسة التجويع الممنهج
يتزامن هذا التدهور الغذائي مع استهداف متواصل للبنية التحتية الداعمة للحياة، ففي 28 أغسطس 2026، صرح إدوارد بيغبدير، المدير الإقليمي لليونيسف، أن الأطفال الناجين في غزة يعانون بشدة بسبب تدمير الإمدادات الأساسية.
وعقب هذا التدمير وفي خلال أسبوع نشر البيانات تم الإعلان عن تدمير مستودع لليونيسف كان يضم إمدادات غذائية حيوية تُقدر قيمتها بأكثر من 770 ألف دولار جراء قصف قريب، كما لحقت أضرار جسيمة بمنشأة لتحلية المياه في دير البلح تدعمها اليونيسف، والتي كان يعتمد عليها أكثر من 4.000 شخص، نصفهم تقريبًا من الأطفال، للحصول على مياه الشرب النظيفة.
ولخص مدير شبكة المنظمات الأهلية في قطاع غزة، محمد صالحة، هذا الواقع بتأكيده أن القطاع يواجه "سياسة تجويع ممنهجة"، وأوضح أن الإمدادات التي يُسمح بدخولها لا تلبي سوى 20% إلى 30% من الاحتياجات الأساسية للسكان، محذرًا من انزلاق القطاع نحو مستويات غير مسبوقة من التدهور في ظل الارتفاع القياسي لأسعار السلع الحيوية.
الخلاصة:
تكشف مقاطعة مسارات النقاش الرقمي مع نتائج المسح عن نمط من التضليل الانتقائي، اعتمد على عزل مؤشر واحد عن سياقه الزمني والجغرافي والصحي، ثم استخدامه للتشكيك في تقييم سابق يتعلق بفترة وظروف مختلفة.
غير أن القراءة الشاملة للبيانات الأممية والوقائع الميدانية تثبت عكس ذلك تمامًا، فالأرقام الحقيقية تعكس أزمة هيكلية متجذرة تتمثل في تفشي التقزم، وسوء تغذية الأمهات، وحرمان الأطفال من أبسط مقومات الغذاء الصحي، وسط حصار منهجي يستهدف مقدرات النجاة المتبقية، لتُثبت هذه المعركة الرقمية أنها لم تكن قط بحثًا عن دقة إحصائية، بل محاولة لطمس معالم كارثة إنسانية مستمرة باستخدام بيانات مجتزأة.