قبل بدء عرض صحفيي "متصدقش" على النيابة، كانت اتهامات الانتماء لجماعة الإخوان والتمويل الخارجي قد انتشرت عبر مواقع إخبارية وحسابات على منصات التواصل. وبالتوازي مع احتجازهم والتحقيق معهم، تكررت السرديات في البرامج التلفزيونية ومنشورات المؤثرين، واستُخدمت الإعلانات الممولة للترويج لها، ثم امتد الهجوم إلى المتضامنين، وصولًا إلى مطالبات صريحة بالقبض عليهم عقب بيان النيابة العامة في 7 أكتوبر 2026.
رصد فريق "تفنيد" هذه المواد بالمتابعة المباشرة لفيسبوك وإكس والمواقع الإخبارية والبرامج التلفزيونية، بين 30 سبتمبر و7 أكتوبر. ويكشف الرصد تزامنًا في النشر وتلاقيًا في السرديات، وتداول معلومات مضللة واستدلالات لا تثبت الاتهامات المطروحة، مع غياب رواية المنصة والمحامين عن مواد عديدة.
أولًا التزامن مع الاحتجاز وتكرار السرديات:
بدأ القبض على صحفيي "متصدقش" مساء الاثنين 28 سبتمبر 2026. وفي الساعة 06:17 مساء 30 سبتمبر، نشرت صفحة "نيوز رووم"، دون إسناد، اتهامًا بتمويل المنصة من "التنظيم الدولي الإرهابي"، ووصف عبد الرحمن منصور بأنه "هارب" وأدمن المنصة ومؤسس صفحة "كلنا خالد سعيد". سبق المنشور بيان وزارة الداخلية الصادر صباح 1 أكتوبر 2026، الذي تضمن اتهامات بالارتباط بالإخوان والإدارة من الخارج.
وفي الساعة 12:52 ظهر اليوم نفسه، نشرت "متصدقش" ردًا ينفي تلك الاتهامات. أما أول تحقيق مع أحد المحتجزين، محمد أشرف أبو عميرة، فبدأ في العاشرة مساء 3 أكتوبر واستمر حتى الثامنة صباح 4 أكتوبر، بحسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التي أكدت أن الخمسة الآخرين لم يكن قد جرى التحقيق معهم حتى ذلك الصباح.
وفي فجر 5 أكتوبر، أعلن المحامي نبيه الجنادي انتهاء جلسة تحقيق استمرت نحو 12 ساعة مع صحفيين من المنصة، شملت اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية وتمويل الإرهاب ونشر أخبار كاذبة واستخدام حساب إلكتروني للترويج لأفكار داعية لارتكاب أعمال إرهابية.
تكررت سردية تقديم المنصة واجهةً لتنظيم سياسي عبر إعلام رسمية، مثل "وكالة أنباء الشرق الأوسط" والتي نشرت في مساء 1 أكتوبر عبر صفحتها على "فيسبوك" مادة بعنوان "كيف تدير جماعة الإخوان الإرهابية شبكة إعلامية عابرة للحدود لاستهداف الوعي المصري؟".
استعاد حساب "نقابة الإعلاميين" علاقة منصور بصفحة "كلنا خالد سعيد". فيما واصلت صفحات عدة مثل "الصفحة الأولى" و"العاصمة مباشر" و"فرابيا" ربط المنصة بجماعة الإخوان ووصفت منشوراتها بأنها محرضة وتسمم عقول الشباب وتستبطن الفتنة.
وقدم عدد من المؤثرين وصانعي المحتوى أبرزهم لؤي الخطيب وحسن بلبل، المعروف باسم "بلبل مصر"، اتهامات بالانتماء إلى الإخوان والتمويل الأجنبي. كما شملت المواد المرصودة محتوى لأحمد صبري وعلي حسين مهدي.
وشملت الحسابات التي نشر أصحابها محتوى هجوميًا محمد جمال وأحمد حنفي وعشري و"دكتور وطني" ومحمد عبد الفتاح وأحمد فريد وشيرين هلال وأمل عبد الله، المعروفة باسم "وزيرة السعادة"، وإيمان نصار. وبرزت أيضًا مواد لحامد المحلاوي وأشرف صلاح ومحمد واصل.


كما شارك في الهجوم عدد من الصحفيين والإعلاميين منهم محمد الباز رئيس تحرير صحيفة "الدستور"، وحسام الغمري مذيع قناة "TEN" والصحفي إيهاب عمر وعلى المحمدي مدير تحرير صحيفة "الجمهورية"، وجهاد الديناري نائب رئيس تحرير "اليوم السابع" وغيرهم.
وعبر التلفزيون، تناول تامر أمين ومصطفى بكري القضية باتهامات الأخبار الكاذبة والتمويل، فيما ربط محمد موسى، في "خط أحمر"، القضية بمخاطر الشائعات. واستدعى تامر عبد المنعم أحداث 28 يناير 2011 والانفلات الأمني، زاعمًا أن المستهدفين يريدون تكرارها. وفي هذه الأمثلة، تمحور النقاش حول الأشخاص والانتماءات والنوايا، دون فحص منشورات محددة للمنصة وإثبات خطئها.
واستُخدمت الإعلانات المدفوعة أيضًا. فصفحة "شباب صحفيين"، التي أُنشئت في 1 أكتوبر 2026، ويتابعها نحو 51 ألف متابع وقت الرصد. والتي رصدنا ضمن متابعيها حسابات تستخدم صورة شخصية متطابقة، وتُظهر بياناتها المعلنة مواقع في فيتنام، نشرت مواد ممولة تستهدف الصحفي عبد الله قدري بوصفه "حبسجي"، مع ادعاءات عن قضايا سابقة وإهانات شخصية. ونشرت لهيثم طوالة، الذي يعرّف نفسه برئيس "جبهة شباب الصحفيين"، وصف المنصة بأنها أداة بتمويلات مشبوهة. وظهرت علامة "ممول" على محتوى صفحة "الرئيس نيوز" عن اتهامات التمويل والأخونة.



التضليل وحدود الأدلة المعروضة:
يبرز خبر "المصري اليوم" المنشور في 1 أكتوبر 2026 باعتباره مثالًا على معلومات يناقضها التسلسل الزمني، إذ أفاد بحبس الصحفيين الستة 15 يومًا، بينما لم يبدأ عرض أولهم على النيابة إلا مساء 3 أكتوبر.

ونقل "مدى مصر" عن مدير المبادرة المصرية، حسام بهجت، أن رئيس نيابة أمن الدولة نفى للمحامين صدور القرار، وأكد أن الصحفيين لم يُعرضوا أو يُحقق معهم آنذاك.
وبحسب "مدى مصر"، اعتذر رئيس تحرير الصحيفة، علاء الغطريفي، وكاتب الخبر يسري البدري عن التعليق لانشغالهما باجتماعات، وقال البدري إنه سيتخذ "الإجراءات القانونية المناسبة". وظل الخبر منشورًا حتى نهاية الرصد.
وظهر خلط آخر بين عضوية النقابة وممارسة الصحافة، إذ قال ثروت الخرباوي، عضو مجلس الشيوخ في ظهوره عبر "هنا القاهرة" و"90 دقيقة" و"كل الكلام" إن المحتجزين بينهم صحفي واحد، وإن الخمسة الآخرين لا علاقة لهم بالصحافة وينفذون أجندات. واستُخدم اختلاف الوضع النقابي لنفي الصفة المهنية عنهم، رغم تأكيد المنصة أن لهم مسارات معلنة في مؤسسات صحفية مصرية.
ولم يقف خطاب الخرباوي عند صفة المحتجزين، إذ اعتبر أن خطر المنصة يمتد إلى تفنيد أخبار صحيحة صادرة عن المؤسسات الرسمية والشخصيات العامة، بما يفقد المواطنين الثقة فيها. ومن دون عرض أمثلة محددة واختبار صحتها، تحول تدقيق المعلومات نفسه إلى موضع اتهام، بدل مناقشة سلامة الأدلة التي تستند إليها كل مادة منشورة.
كما استُعيد أرشيف قديم لإسناد اتهامات راهنة، إذ نشر محمد نور، المعروف باسم "الوعي نور"، اتهامات بانتماء محمد أبو الغيط وعبد الرحمن منصور للإخوان، وتكررت السردية لدى مصطفى القناوي. واستند الحديث عن منصور إلى تصريح لعصام العريان عقب ثورة يناير 2011، قال فيه إن أحد مديري "كلنا خالد سعيد" كان من الإخوان. يفصل التصريح عن القضية الحالية نحو 15 عامًا، ولا يثبت وحده انتماءً تنظيميًا حاليًا أو تبعية "متصدقش" للجماعة.
كذلك عرض عبد الرحيم علي، خلال استضافته في "الحكاية" مع عمرو أديب، تسجيلات هاتفية منسوبة إلى منصور وخيرت الشاطر باعتبارها دليلًا على الانتماء. لكن مضمونها، بحسب مراجعة الفريق، اجتماعي وترحيبي، ولا يتناول تمويل المنصة أو إدارتها، ولم يعلن تاريخها أو مصدرها. ولا يثبت هذا المضمون بذاته عضوية تنظيمية، كما لا يحسم فحصه صحة التسجيلات الفنية. وظهر علي أيضًا مع يوسف الحسيني لتوجيه اتهامات إلى المنصة.
وفي مستوى آخر، تحدث شريف الصيرفي عن "التخابر مع إسرائيل" وحقائب بملايين الدولارات، ومبالغ شهرية بين 400 وألف دولار للصحفيين، ناسبًا جانبًا من معلوماته إلى "مصادر عليا خاصة"، دون عرض دليل على التخابر.
غياب رواية المنصة والمحامين:
كان رد "متصدقش" متاحًا منذ ظهر 1 أكتوبر 2026. نفت فيه تبعيتها للإخوان، واستشهدت بتصحيحات لأخبار روجتها جهات محسوبة على الجماعة، وأكدت أن فريقها مصري ويعمل داخل مصر.
وقالت إن الصحفيين يتقاضون أجورًا مقابل العمل عبر البنوك المصرية، بموجب عقود وإثباتات دخل. وهذه رواية مقابلة تميّز بين الأجر والاتهام بالتمويل.
ونفت المنصة انتماء منصور للإخوان ووصفه بالهارب، وقالت إنه غادر قانونيًا وليس مطلوبًا في قضية، مستشهدة بصحيفة حالة جنائية سابقة. كما قالت إن ثلاثة صحفيين خضعوا لفحص قبل نحو ثلاث سنوات، وأُبلغت بعدم ثبوت صلتهم بجماعة سياسية أو تمويل خارجي، دون تغير لاحق في ملكية المشروع أو مصادر تمويله.
مع ذلك، تكررت الاتهامات في مواد عديدة دون عرض الردود. وفي الحلقات والمقاطع التلفزيونية المرصودة، لم يُستضف محامٍ أو ممثل للمنصة، ولم تُبث مداخلة تعرض موقفهم.
وشملت المعلومات المقابلة إفادات عن الاحتجاز. فبحسب المبادرة المصرية ونقابة الصحفيين، أفاد بعض المحتجزين أمام النيابة بتعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة، ومنها التقييد وتعصيب العينين والضرب والصعق بالكهرباء والتهديد بإيذائهم أو ذويهم. كما نازعت المنصة رواية إخطار النقيب، قائلة إن الأسرة والمحامي أبلغاه، ثم تواصل هو مع الجهات المعنية.
ولم تتجاهل جميع المواد رد المنصة، إذ تناوله طارق الجنايني بسخرية، وأعاد نشر تصريح قديم للقيادي الإخواني عصام العريان بوصفه دليلًا مضادًا، رغم أنه لا يحسم الانتماء الحالي أو تبعية المنصة.

وفي 7 أكتوبر، أصدرت النيابة بيانًا بشأن القضية 8083 لسنة 2026 حصر أمن الدولة العليا. وبحسب النص المنشور، نسبت إلى أحدهم إقرارًا بالانضمام مع آخرين إلى اللجنة الإعلامية للإخوان، وتحدثت عن تحويلات خارجية ومجموعات مراسلة. وأوردت إنكار الباقين، مع قول أحدهم إنه انتمى سابقًا وانفصل قبل العمل بالمنصة. وقالت إن تقارير الطب الشرعي لثلاثة منهم لم تثبت إصابات أو علامات عنف، مؤكدة استمرار التحقيقات.
وردت المبادرة المصرية بأن البيان أغفل فترة منع التواصل مع الأسر والمحامين، ولم يحدد مادة صحفية كاذبة واجهتهم بها التحقيقات. واعتبرت العقود والتحويلات ومجموعات التواصل أدوات عمل لا دليل جريمة بذاتها، وقالت إن الصحفيين أثبتوا إكراههم على تسجيل اعترافات، وإن بلاغات التعذيب لم تُحقق بسماعهم كمجني عليهم والمشكو في حقهم.
من تخوين المتضامنين إلى المطالبة بالقبض عليهم:
امتد الهجوم إلى التضامن مع المحتجزين. هاجم أحمد صبري الداعين للوقوف أمام نقابة الصحفيين بأوصاف "الصيع" و"خاينين". ووصف محمد الديسطي المدافعين عنهم بأنهم "خونة مرتزقة مأجورين"، مضيفًا: "وسيتم حسابكم حساب عسير.. القادم صادم". أما أحمد يحيى الدياسطي فرفض الدعوة للاعتصام، واعتبرها محاولة لاختطاف قرار النقابة وربطها بالتحريض والتأثير في العدالة.


ودعا أحمد ناصر إلى الضرب "بإيد من حديد" و"بتر كل خاين إخواني"، والمشاركة في وسم "متصدقش الإخوان". وعلى منشور تضامن لصفحة "تفنيد"، كتب حساب Mariem Gabal: "عقبالكم وعقبال كل منصات التضليل والكذب والتسخين والتمويل". كما رصدنا ذات النوعية من التعليقات على عدد من البيانات المتضامنة مع صحفيي "متصدقش".

وعقب بيان النيابة في 7 أكتوبر، اتخذ الاستهداف منحى مباشرًا، إذ نشرت عدة حسابات للمطالبة بالقبض على المتضامنين مع صحفيي "متصدقش"، وكان محمد الديسطي من أبرز وأول المشاركين في التحريض، وكتب عبر حسابه على منصة "اكس" @yehia5yehia "نطالب النيابة العامة المصرية بالقبض على المتضامنين مع خلية متصدقش الإرهابية و سرعة ضبطهم".

ونشر ولي الدين سعودي على فيسبوك دعوة شبه مطابقة، موجّهة إلى النيابة، أضاف فيها "المحرضين" إلى الفئات المطلوب القبض عليها. لينتقل الخطاب هنا من تخوين المتضامنين إلى مطالبة النيابة بالقبض عليهم، بصياغات شبه متطابقة، دون أن يتضمن بيان النيابة نفسه دعوة إلى ذلك.

يكشف الرصد أن الهجوم على "متصدقش" تجاوز تكرار الاتهامات إلى نزع الصفة المهنية عن صحفييها، واستخدام أرشيف قديم وادعاءات غير مسندة للطعن في المنصة، مع إغفال روايتها ورواية محاميها في مواد عديدة. وبينما ظلت منشوراتها خارج الفحص التفصيلي في العينة المرصودة، انتقل الاستهداف إلى المتضامنين معها، وصولًا إلى مطالبات صريحة بالقبض عليهم. ويوثق تزامن النشر وتشابه السرديات اتجاهًا مشتركًا في الهجوم، دون أن يثبت وحده وجود تنسيق بين ناشريه.