بالتزامن مع التحقيقات في قضية صحفيي "متصدقش"، شهدت منصة "إكس" موجتين من المنشورات التي هاجمت نقابة الصحفيين والمنصة، بدأت الأولى باتهام النقابة بالدفاع عن "الخونة والعملاء" والانحراف عن دورها المهني، قبل أن تنتقل الثانية، عقب صدور بيان النيابة العامة في 7 أكتوبر 2026، إلى الاستناد إلى نتائج الفحوص الطبية والاتهامات الواردة في البيان للجزم بكذب شكاوى التعذيب، ومواصلة الهجوم على المنصة والنقابة.
وتتبع فريق "تفنيد" النشاط على وسمي #عوار_بيان_النقابه و#بيان_النيابه_العامه، من خلال تحليل 463 منشورًا فريدًا، نشرتها 105 حسابات، خلال فترات رصد امتدت من 6 إلى 8 أكتوبر 2026، لفحص الحسابات المشاركة وتوقيتات النشر والرسائل المتكررة والعلاقات بين موجتي التفاعل.
وكشفت المقارنة عن 28 حسابًا شاركت في الوسمين، وأنتجت 59.4% من إجمالي المنشورات المرصودة، إلى جانب دفعات نشر متسارعة، وقوالب لغوية متكررة، وحسابات تشترك في تاريخ إنشائها. وتشير هذه الأنماط إلى احتمال وجود تنسيق في إعداد المحتوى أو نشره، دون أن تكفي لإثبات جهة تدير النشاط أو وجود ارتباط تنظيمي بين الحسابات.
الحسابات نفسها في موجتي الهجوم
بدأ النشاط على وسم #عوار_بيان_النقابه يوم 6 أكتوبر 2026، وضم 191 منشورًا من 59 حسابًا، قبل ظهور النشاط على وسم #بيان_النيابه_العامه مساء 7 أكتوبر، والذي ضم 272 منشورًا من 74 حسابًا.
وبمقارنة الحسابات المشاركة، ظهر 28 حسابًا نشرت على الوسمين، وأنتجت مجتمعة 275 منشورًا، تمثل 59.4% من إجمالي العينة، وساهمت بـ61.3% من منشورات وسم النقابة، وبـ58.1% من منشورات وسم النيابة.
وتصدر حساب @Mohamed_gad33 النشر في الوسمين، بعشرين منشورًا على وسم النقابة و41 على وسم النيابة، فيما تكرر حضور @da_nger2 بإجمالي 22 منشورًا، و@A_Mansor37 بـ21 منشورًا، و@esuntriece بـ19 منشورًا.
ويظهر هذا التداخل أن معظم المنشورات المرصودة في كل وسم صدرت عن حسابات شاركت أيضًا في الآخر، رغم اختلاف توقيت النشاط وموضوعه المباشر.
نشاط مكثف خلال ساعات قليلة
يُظهر تحليل البيانات أن النشاط على وسم #عوار_بيان_النقابه كان أكثر تركزًا زمنيًا؛ إذ نُشر 188 منشورًا، تمثل 98.4% من عينته، بين الساعة 14:16 و16:38 يوم 6 أكتوبر. وسجلت الفترة من 14:40 إلى 14:50 ذروة بلغت 34 منشورًا، ساهم @Mohamed_gad33 بعشرين منها، ثم جاءت ذروة أخرى من 15:00 إلى 15:10 بواقع 33 منشورًا.

أما وسم #بيان_النيابه_العامه، فامتدت منشوراته المرصودة من الساعة 19:03 يوم 7 أكتوبر إلى 00:32 يوم 8 أكتوبر، مع ارتفاع النشاط قرب منتصف الليل. وخلال عشرين دقيقة فقط، من الساعة 23:50 إلى 00:10، نُشر 68 منشورًا، تمثل ربع عينة الوسم.

كما تركز إنتاج المحتوى في عدد محدود من المشاركين، فأنتجت الحسابات العشرة الأكثر نشرًا 100 منشور على وسم النقابة، بنسبة 52.4%، مقابل 148 منشورًا على وسم النيابة، بنسبة 54.4%.
وتوضح هذه الأرقام أن الموجتين اتسمتا بتركز النشر في حسابات محدودة وفترات زمنية قصيرة، مع استمرار حضور عدد من الحسابات الأكثر نشاطًا من الوسم الأول إلى الثاني.
من الطعن في النقابة إلى الاستناد لبيان النيابة
لم يقتصر الانتقال بين الوسمين على استمرار بعض الحسابات في النشر، بل صاحبه تغير في الرسائل المستخدمة للهجوم على نقابة الصحفيين ومنصة "متصدقش"، تبعًا لتطورات القضية.
ففي وسم #عوار_بيان_النقابه، تركزت المنشورات حول ثلاث سرديات رئيسية، تصدرتها اتهامات النقابة بالانحراف عن دورها الخدمي والمهني وإهمال احتياجات الصحفيين، بنسبة 45% من المحتوى المرصود.
وكررت هذه المنشورات مطالبات باهتمام النقابة بالعلاج والمعاشات والبدل والمشكلات المعيشية والمهنية، وقدمت دفاعها عن الصحفيين المحتجزين باعتباره انشغالًا عن مسؤولياتها تجاه الأعضاء. ومن العبارات المتكررة "ركزوا مع مشاكل النقابة"، و"سايبين قضايا العمل الصحفي"، و"الدور الأصلي للنقابة وهو خدمة أسر وأعضاء المهنة".
وجاءت سردية اتهام النقابة بتوفير غطاء لحماية "الخونة والعملاء والإخوان" في المرتبة الثانية، بنسبة 35%. وانتقلت هذه المنشورات من نقد الأداء المهني إلى التشكيك في وطنية مجلس النقابة، واتهامه باستخدام المؤسسة النقابية للدفاع عن أشخاص وصفتهم الحسابات بالارتباط بجماعة الإخوان أو أجندات خارجية.
أما السردية الثالثة، التي مثلت 20% من المحتوى، فركزت على فقدان النقابة مصداقيتها وتجاوزها مسار التحقيقات، باستخدام اتهامات من بينها "طمس الحقائق" و"تضليل الناس"، مع الاعتراض على تشكيكها في الرواية الأمنية.
لكن بعد صدور بيان النيابة العامة في 7 أكتوبر، تغيرت مبررات الهجوم في المنشورات المرصودة على وسم #بيان_النيابه_العامه، مع استمرار استهداف المنصة والنقابة.
وتصدرت سردية الحسم القضائي ونتائج الطب الشرعي ونفي التعذيب محتوى الوسم بنسبة 50%. وكررت المنشورات القول إن التقارير الطبية أثبتت عدم تعرض الصحفيين للعنف، ثم قدمت هذه النتيجة باعتبارها دليلًا قاطعًا على كذب شكاوى التعذيب وصحة الإجراءات المتخذة بحق المحتجزين.
وجاءت سردية اتهام منصة "متصدقش" بتلقي تمويل أجنبي والارتباط بجماعة الإخوان بنسبة 30%. واستندت منشورات إلى ما ورد في بيان النيابة من تحريات وأقوال منسوبة إلى بعض المتهمين بشأن التمويل والانتماء التنظيمي، وقدمت الاتهامات باعتبارها حقائق محسومة، رغم استمرار التحقيقات في القضية.
أما السردية الثالثة، بنسبة 20%، فواصلت مهاجمة نقابة الصحفيين، واتهامها بحماية الإخوان وإثارة الفتنة وتأجيج الرأي العام ضد مؤسسات الدولة. ووصل بعضها إلى المطالبة باتخاذ إجراءات ضد النقابة.
ويُظهر تحليل المنشورات على وسم #بيان_النيابه_العامه كيف استُخدمت عناصر من البيان الرسمي لتقديم استنتاجات أوسع من نطاق ما تُظهره التحقيقات، بالتوازي مع استمرار الهجوم على الصحفيين ونقابتهم.
لتبقى السمة المشتركة بين الوسمين هى الهجوم على النقابة، بينما تغيرت الحجج المستخدمة فيه من اتهامها بالتقصير في أداء دورها والدفاع عن "الخونة"، إلى الاستناد إلى بيان النيابة لتأكيد الاتهامات ومهاجمة موقفها من شكاوى التعذيب.
عشرات المنشورات خلال دقائق.. قوالب متكررة ونسخ حرفي
لم يقتصر التشابه بين موجتي النشاط على الحسابات والسرديات، بل امتد إلى أنماط النشر نفسها، من خلال تكرار مقدمات المنشورات بترتيب ثابت، ونشر مواد متعددة خلال فواصل زمنية قصيرة للغاية، وظهور نصوص متطابقة لدى حسابات مختلفة.
ففي وسم #عوار_بيان_النقابه، نشر حساب @Mohamed_gad33 عشرين منشورًا خلال ست دقائق و56 ثانية، اعتمدت على أربع مقدمات متكررة بالترتيب نفسه، وأعاد الحساب الدورة خمس مرات مع تغيير بقية النصوص.
وتضمنت المقدمات اتهام النقابة بالدفاع عن "الخونة والعملاء"، ووصف أصحاب بيانها بالمجرمين، والتشكيك في مجلسها، والطعن في مصداقيتها.



ويختلف هذا السلوك عن مجرد تكرار موقف سياسي أو نقدي، إذ يظهر انتظامًا في ترتيب المقدمات وإعادة استخدامها خلال فترة زمنية قصيرة، مع إنتاج منشورات متعددة تتناول الموضوع نفسه.
وتكرر النشر المتسارع في وسم #بيان_النيابه_العامه، إذ نشر الحساب نفسه 21 منشورًا خلال دقيقتين وثانية، فيما نشر @A_Mansor37 ستة عشر منشورًا خلال دقيقة و29 ثانية، و@k_abdalla2070 ثمانية منشورات خلال دقيقة و18 ثانية، و@al_omdh81 ثمانية منشورات خلال 41 ثانية فقط. وفي بعض الحالات، سجلت البيانات نشر الحساب الواحد منشورين مختلفين في الثانية نفسها.
وإلى جانب سرعة النشر، ظهر نسخ حرفي بين حسابات مختلفة، إذ نشر @ahmedshawk4168 و@EAhmed26379 نصًا متطابقًا، احتفظ كلاهما في نهايته بعبارة "عرض أقل".
ويشير انتقال هذه العبارة إلى المنشورين إلى احتمال نسخ المحتوى من واجهة عرض أو مصدر مشترك، دون أن تسمح البيانات بتحديد المصدر الأصلي أو إثبات وجود اتصال مباشر بين الحسابين.


حسابات قليلة المتابعين تشترك في تاريخ الإنشاء
يُظهر تحليل المحتوى مؤشر آخر لدى مجموعة من الحسابات الأكثر نشاطًا على وسم النيابة، يتمثل في تشابه تاريخ إنشائها على منصة "إكس"، رغم اختلاف أسمائها وأحجام مشاركتها.
فبحسب البيانات المسجلة، أُنشئت حسابات @Mohamed_gad33 و@A_Mansor37 و@al_omdh81 و@k_abdalla2070 جميعًا في 28 يوليو 2025.
وتراوحت أعداد متابعي الحسابات الأربعة بين صفر وتسعة متابعين، لكنها أنتجت مجتمعة 74 منشورًا على وسم #بيان_النيابه_العامه، تمثل 27.2% من محتواه المرصود.
وشاركت الحسابات الأربعة في دفعات النشر المتسارع، بينما ظهرت ثلاثة منها، هي @Mohamed_gad33 و@A_Mansor37 و@al_omdh81، في وسم النقابة أيضًا.
ويجمع هذه الحسابات، إلى جانب تاريخ الإنشاء، انخفاض أعداد المتابعين مقارنة بكثافة النشر خلال فترة الرصد، ومشاركتها في إنتاج محتوى متشابه حول القضية.
من ينتج المحتوى ومن يعيد تداوله؟
كشف تحليل شبكتي العلاقات على الوسمين اختلافًا في أدوار الحسابات، فبينما تصدر بعضها إنتاج المنشورات، برزت حسابات أخرى من خلال الاقتباسات والردود والإشارات، بما ساهم في تداول المحتوى بين أطراف متعددة.
في وسم #عوار_بيان_النقابه، ضمت الشبكة 17 حسابًا، برز بينها @da_nger2 بتفاعله مع 11 حسابًا، بينما تصدر @Mohamed_gad33 إنتاج المنشورات، رغم محدودية علاقاته المسجلة.
أما في وسم #بيان_النيابه_العامه، فاتسعت الشبكة إلى 35 حسابًا، مع استمرار ظهور @da_nger2 و@Tinipassione18 في الشبكتين. وبرز @azza_ezzat27 عبر الردود والإشارات إلى حسابات أخرى، خاصة @mozammmmmmmmmm، الذي سجل أعلى مشاهدات في العينة بواقع 4,317 مشاهدة، رغم نشره 13 مادة فقط.
وفي المقابل، لم يظهر @Mohamed_gad33 في شبكة الوسم الثاني رغم تصدره النشر بـ41 منشورًا، لعدم تسجيل علاقات له مع حسابات أخرى. كما ظهر حساب النيابة العامة @EgyptianPPO نتيجة الإشارات إليه، دون أن يشارك بالنشر داخل العينة.
وتشير هذه النتائج إلى اختلاف الأدوار بين حسابات كثيفة النشر وأخرى نشطة في التفاعل وتداول المحتوى، مع استمرار حضور بعض الحسابات في الشبكتين.
ماذا تكشف الأنماط المشتركة عن احتمال التنسيق؟
تكشف المقارنة بين الوسمين عن تطابق كبير في الحسابات المشاركة وخطاب الهجوم على نقابة الصحفيين ومنصة "متصدقش"، رغم تغير الحدث الذي استندت إليه المنشورات.
ففي الموجة الأولى، تركز الهجوم على موقف النقابة من احتجاز الصحفيين، واتهامها بالدفاع عن "الخونة والعملاء" وإهمال دورها المهني. وفي الثانية، انتقلت حسابات شاركت في الموجة الأولى إلى الاستناد إلى بيان النيابة العامة لطرح اتهامات المنصة بوصفها حقائق محسومة، والجزم بعدم صحة شكاوى التعذيب، مع استمرار مهاجمة النقابة.
ولم يكن هذا الانتقال في الرسائل وحده مؤشر التشابه، فقد صاحبته كثافة في النشر خلال فترات قصيرة، وقوالب لغوية أعيد استخدامها بترتيب ثابت، ونصوص متطابقة بين حسابات مختلفة، إلى جانب اشتراك بعض الحسابات كثيفة النشاط في تاريخ الإنشاء.
وتعزز هذه المؤشرات، عند قراءتها مجتمعة، احتمال وجود إعداد مشترك للمحتوى أو تنسيق في توقيت نشره وتداوله، لكنها لا تثبت هوية جهة منظمة، أو ملكية مشتركة للحسابات، أو استخدامها أدوات للنشر الآلي.
ويظل ما تثبته البيانات هو أن مجموعة محدودة من الحسابات أدت دورًا بارزًا في إنتاج محتوى متشابه عبر موجتين متعاقبتين، مع تغير مبررات الهجوم تبعًا لتطورات القضية، واستمرار اتهام نقابة الصحفيين والمنصة في كلتيهما.