أزمة المياه في تونس: تغطيات وسرديات إعلامية
أزمة المياه في تونس — صورة توضيحية مولّدة بالذكاء الاصطناعي

شهد صيف 2026 أشد موجات الحر المسجلة في تونس منذ عام 1950، بحسب المعهد الوطني للرصد الجوي. وتفاقمت وطأة الحر خلال الأسبوع الثالث من أغسطس، بالتزامن مع اضطرابات في مياه الصنبور ونقص المياه المعدنية المعلبة.

وبين الحر والعطش، وجد التونسيون أنفسهم في أزمة حقيقية يتابعون مستجداتها لحظة بلحظة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل، لكن التغطية الإعلامية لم تقدّم رواية متكاملة، بل عكست روايات انتقى كل طرف منها ما يخدم خطابه؛ ما جعل الجمهور أمام سرديات إعلامية خضعت للانتقاء والاجتزاء الذي يصنف ضمن أشكال التضليل، بشكل يؤثر في قدرته على فهم الأزمة بشكل سليم.

فالإعلام العمومي ركّز على البلاغات الرسمية وغيّب الطوابير والاحتجاجات، والإعلام الخاص نقل معاناة الناس لكنه حصر الأسباب في الاحتكار وضعف الرقابة، وصفحات المعارضة بنت روايتها على الاحتجاج وحمّلت السلطة وحدها المسؤولية، في حين عمّمت الصفحات الموالية للسلطة الأزمة ووجّهت الاتهام إلى المعارضة والخارج. 

يسعى هذا التقرير إلى رصد التغطيات الإعلامية والسرديات المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي في فترة ذروة أزمة مياه الشرب في تونس، للوقوف على أوجه الانتقاء والاجتزاء التي تؤدي إلى تضليل الجمهور حول الأزمة، لذلك تتبعنا السرديات المنشورة في الفترة من 24 إلى 29 أغسطس 2026.

الإعلام العمومي: خطاب رسمي منتقى وحضور محدود للأزمة

القناة الوطنية الأولى

لم تنشر التلفزة الوطنية الأولى حول الأزمة بمعدل كبير، واقتصرت تغطيتها على نقل الخطاب الرسمي: بلاغات الشّركة الوطنيّة لاستغلال وتوزيع المياه "الصوناد"، وبيان الغرفة النقابية لمصنعي المشروبات غير الكحولية، وتصريحات رئيس الجمهورية وتعليماته للجيش، وبلاغ وزارة التجارة.

في الأيام الأولى (24 و25 أغسطس)، اقتصرت التغطية على انقطاعات مياه الصنبور من خلال بلاغات "الصوناد"، ولم تظهر أزمة المياه المعدنية المعلبة، التي كانت محور بحث المواطنين عن القوارير، إلا يوم 26 أغسطس عبر بيان الغرفة النقابية.

بينما غابت عن تغطياتها تماما فيديوهات الطوابير الطويلة لمواطنين يبحثون عن قوارير الياهء، والاحتجاجات التي شهدتها بعض المناطق. ولم يتجاوز النسق منشورا واحدا يوميا في الأيام الثلاثة الأولى، ثم ارتفع يومي 27 و28 أغسطس مع صدور موقف رئاسة الجمهورية من الأزمة، قبل أن يغيب الموضوع تماما يوم 29 أغسطس.

ويؤكد الرصد هذه القراءة: ففي الفترة من 24 إلى 29 أغسطس 2026، نشرت التلفزة الوطنية الأولى على صفحتها الرسمية في فيسبوك 12 منشورا فقط عن أزمة المياه، أي 8.0% من إجمالي منشوراتها البالغ 150 منشورا.

وفي يوم 24 أغسطس، من بين 23 منشورا، نشرت الصفحة منشورا وحيدا يتعلق بالمياه، عند الساعة 23:19، بعنوان: "تسجيل اضطرابات وانقطاع في التزود بالماء عبر شبكة مياه الشرب التابعة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه بمعتمديتي المهدية والرجيش"، وهو إعادة نشر حرفي لبلاغ "الصوناد".

وتكرر الأمر يوم 25 أغسطس بـمنشور واحد عند الساعة 11:00 صباحا، أعاد نشر بلاغ للصوناد عن "استئناف تدريجي لتزويد عدد من مناطق منوبة وتونس بمياه الشرب العمومية". وفي يوم 26 أغسطس، اقتصرت التغطية على منشور واحد عند الساعة 16:48، أعاد نشر بيان توضيحي صادر عن الغرفة النقابية لمصنعي المشروبات غير الكحولية.

 

وفي يوم 27 أغسطس، نشرت الصفحة أربعة منشورات، خُصص ثلاثة منها لتصريح رئيس الجمهورية بأن "الأبحاث أثبتت أن انقطاع الماء والكهرباء لم يكن نتيجة أعطاب عادية بل نتيجة أعمال مدبّرة": فيديو النشرة الظهرية (13:27)، وفيديو النشرة الرئيسية في الثامنة مساء، وتقرير مكتوب بعنوان "رئيس الجمهورية: انقطاع الماء والكهرباء عمل مدبّر واستهداف للمواطنين" نُشر عند الساعة 03:05 فجرا. أما المنشور الرابع والأخير، عند الساعة 22:57 مساء، فكان تغطية بالصور لإشراف الجيش التونسي على توزيع مياه الشرب بالصهاريج في مناطق تشكو انقطاع الماء والكهرباء.

وتواصل ارتفاع النسق يوم 28 أغسطس بخمسة منشورات: ثلاثة منها عن تعليمات رئيس الجمهورية للجيش الوطني بتزويد عدد من المناطق بالماء الصالح للشرب، ورابعها خبر الاحتفاظ بموزع مياه معدنية في ولاية أريانة بتهمة الاحتكار والمضاربة، وخامسها نقل لبلاغ وزارة التجارة عن ضخ أكثر من 9 ملايين قارورة مياه في الأسواق إلى حين استعادة النسق الطبيعي للتزويد. أما يوم 29 أغسطس، فلم تنشر القناة أي شيء عن أزمة المياه.

الإذاعة الوطنية التونسية

على العكس من التلفزة العمومية، كثفت الأذاعة التونسية منشوراتها عن الأزمة، إذ اتخذ محتوى الإذاعة الوطنية منحى شبه أحادي، قام أساسا على نقل الرواية الرسمية: بلاغات الغرفة النقابية لمصنعي المشروبات غير الكحولية، وتصريحات وزارة التجارة، ومتابعة النشاط الرئاسي. 

واكتفت الذاعة بنشر تقريرا ميدانيا واحدا استجوبت فيه مواطنين عن معاناتهم في الحصول على المياه المعدنية، أدرجته ضمن نشرة أخبار الساعة الخامسة مساء ليوم 26 أغسطس، وأعادته بتعديلات طفيفة في نشرة الواحدة بعد الظهر ليوم 27 أغسطس.

وبالأرقام، غطت الإذاعة الوطنية الأزمة بـ54 منشورا، أي نحو 8.0% من إجمالي منشوراتها البالغ 672 منشورا في تلك الفترة. ولم تختلف سرديتها عن سردية التلفزة الوطنية الأولى، إذ تمحور 28 منشورا حول الرواية الرسمية، منها إعادة تداول بلاغات الغرفة النقابية لمصنعي المشروبات غير الكحولية، ومداخلة مدير الأبحاث الاقتصادية بوزارة التجارة وتنمية الصادرات في برنامج "يوم سعيد" يوم 27 أغسطس عند الساعة 07:35، عن عودة النسق العادي للتزود بالمياه المعدنية المعلبة مع انتهاء موجة الحر.

وركزت التغطية كذلك على متابعة النشاط الرئاسي، عبر نشراتها الإخبارية، أو بإعادة نشر بلاغ سبق نشره على صفحة رئاسة الجمهورية عن اجتماع الرئيس برئيسة الحكومة ووفد وزاري يوم 26 أغسطس، قال فيه الرئيس قيس سعيد إن "الأبحاث أثبتت أن انقطاع الماء والكهرباء في عديد المناطق أعمال مدبّرة".

أما المنشورات الـ26 المتبقية، فتوزعت بين مقالات عن الاحتفاظ بـمحتكرين للمياه المعدنية المعبأة في ولايات مختلفة وحجز كميات منها، وخبر الترفيع في حصة توزيع المياه المعدنية إلى 60 ألف قارورة يوميا، وصور لوحدات مشتركة من الجيش والحرس والحماية المدنية توزع المياه في عدد من الجهات.

ولاحظ الرصد تكرار خبر "عودة التزود بالمياه المعدنية المعلبة إلى نسقه الطبيعي تدريجيا بداية من سبتمبر" خمس مرات: مرتين في صيغة مقال، الأول يوم 24 أغسطس عند 13:36 والثاني عند 14:39، ثم في موجز منتصف النهار، وموجز الساعة 14:00، ونشرة الواحدة بعد الظهر (13:01).

في المحصلة، اقتصر الإعلام العمومي في معظم منشوراته على نقل البلاغات الرسمية، ومعها رواية الرئاسة عن "أعمال مدبّرة" وجهود الجيش في توزيع المياه. ولم يقدّم، باستثناء تقرير ميداني واحد للإذاعة، زوايا أخرى للأزمة ولا معالجة تبحث في أسبابها وخلفياتها.

الإعلام الخاص: تغطية أكثر توازنا

اخترنا في "تفنيد" إذاعتين خاصتين هما الأكبر من حيث عدد المتابعين في تونس لتحليل سرديتيهما عن الأزمة: "موزاييك أف أم"، ويتابع صفحتها الرسمية في فيسبوك 7.9 مليون شخص، و"جوهرة أف أم"، ويتابع صفحتها 5 ملايين.

موزاييك أف أم

بدت تغطية "موزاييك أف أم" أكثر تنوعا من تغطية الإعلام العمومي، إذ فتحت الميكروفون لباحثين وخبراء وأصحاب مصلحة، كما أبرزت تدخلات الدولة ومؤسساتها: دور وزارة التجارة في ملف المياه المعدنية المعلبة، وتدخل الجيش الوطني والولاة لتزويد المناطق المتضررة من انقطاع مياه الشرب العمومية أو اضطرابها. 

كما ركزت على حملات حجز كميات من المياه المعدنية لدى المحتكرين والاحتفاظ بهم، وشملت تغطيتها أسباب الأزمة مشيرة إلى غياب الرقابة الإدارية وغياب المسؤولين، دون التطرق إلى عوامل أخرى قد تكون مهمة في تفاقمها، منها البنية التحتية وسياسة المياه وتسربات الشبكة والانقطاعات المتكررة للكهرباء.

وبالأرقام، نشرت الإذاعة 67 منشورا عن الأزمة من أصل 530، أي 12.6%، وتوزعت على سبعة محاور رئيسية: تدخلات الدولة في توزيع المياه، وحملات الحجز والاحتكار، وتصريحات الغرفة النقابية للمشروبات غير الكحولية، وانقطاعات شبكة الماء العمومي (الصوناد)، والتحليلات والحوارات، وردود فعل المواطنين ومخالفات الأسعار، والتصريحات الرسمية والسياسية، كما يبين الرسم البياني التالي:

https://public.flourish.studio/visualisation/30288100/

وبحسب الرسم، شكّلت المنشورات الناقلة لتدخلات الدولة (وزارة التجارة والولاة والجيش) 32% من تغطية الإذاعة، وحملات حجز المياه المعدنية والاحتفاظ بالمحتكرين 25%، وكل من منشورات الغرفة النقابية وبلاغات الصوناد 11.9%.

ولم تخلُ التغطية من حوارات وتحليلات، خاصة في برنامج "ميدي ماق". ففي 26 أغسطس، استضاف البرنامج عند 12:47 الباحث والمهندس ياسر سويلمي للحديث عن أسباب انعدام ثقة التونسيين في مياه الصنبور، ثم رئيس الغرفة النقابية لمنتجي المشروبات غير الكحولية لسعد مزاح عند 13:12 للحديث عن أسباب أزمة المياه المعدنية وموعد انتهائها. وفي 27 أغسطس، حاور البرنامج عند 13:11 برهان بن حميدة، صاحب شركة متخصصة في أنظمة الفلترة، عن إمكانية أن تغني الفلترة التونسيين عن القوارير المعدنية، ثم الخبير في التنمية المستدامة حسين الرحيلي عند 13:23 ليقدم قراءته لأزمة الماء والكهرباء في صيف 2026.

جوهرة أف أم

اقتربت سردية "جوهرة أف أم" نسبيا من سردية موزاييك: فقد خُصص جزء من منشوراتها لبلاغات الصوناد وعمليات التزويد بالمياه العمومية، مع تركيز واضح على مناطق من ولاية سوسة، إضافة إلى نقل النشاط الرئاسي. وحتى حين نقلت معاناة المواطنين في طوابير طويلة وسط موجة الحر، اتجه الخطاب إلى نهيهم عن "اللهفة" بدل الحديث عن نقص المياه المعلبة في الأسواق.

وبالأرقام، نشرت الإذاعة 521 منشورا خلال فترة العينة، خصصت منها 31 منشورا فقط للأزمة، أي 5.9%. واقتصرت في البداية على نقل بلاغات الصوناد عن انقطاعات مياه الشرب أو عودتها التدريجية في مناطق مثل المهدية وصفاقس ومنوبة، في خمسة منشورات توزعت بين 24 و25 أغسطس.

ثم تناولت الإذاعة تزويد مناطق "القصيبة والثريات والزاوية" التابعة لولاية سوسة. وفي 26 أغسطس، ناقش برنامج "صباح الورد"، عبر مداخلة هاتفية للنائبة بمجلس نواب الشعب هالة جاب الله، ردود الفعل على تزويد المواطنين بالماء عبر الصهاريج، وهو ما وصفته النائبة بأنه "مهين" ويلخص المعاناة اليومية للمواطنين جراء انقطاع المياه والكهرباء.

وركزت بقية المنشورات على ضخ كميات من المياه المعدنية المعلبة في الأسواق، مقابل الاحتفاظ بأشخاص متهمين بـالاحتكار والمضاربة، وذلك في 11 منشورا يومي 27 و28 أغسطس.

وفي برنامج “pieds dans l’eau”، بُثّ يوم 27 أغسطس عند 11:52 فيديو لطوابير مواطنين ينتظرون قارورة ماء. غير أن تعليق المذيعة دعا المواطنين إلى تجنب اللهفة وشراء ما يفوق حاجتهم، استنادا إلى حديث رئيس الغرفة الوطنية للمشروبات غير الكحولية عن زيادة في الإنتاج في الأيام المقبلة. وفي 28 أغسطس عند 12:15، وجّه مقدم البرنامج نداء عاجلا نقلا عن بلاغ لجمعية "ديار الأمل" لتوفير الماء والماء المعدني للرضّع.

ولم تغب عن الإذاعة متابعة الشأن الرئاسي، في أربعة منشورات: ثلاثة يوم 27 أغسطس ومنشور وحيد يوم 28، عن قول رئيس الجمهورية إن "الأبحاث أثبتت أن انقطاع الماء والكهرباء كان نتيجة أعمال مدبّرة"، أو تعليماته بتوزيع مياه الشرب بالصهاريج في عدد من الجهات. وتوقفت التغطية يوم 28 أغسطس، ولم يُرصد أي منشور يوم 29.

إجمالا، بدت تغطية الإذاعتين الخاصتين أكثر توازنا من الإعلام العمومي، إذ جمعت بين الرواية الرسمية وتحليل الأسباب وصوت المواطنين، لكنها اختزلت الأزمة في الاحتكار وضعف الرقابة وسلوك المواطن، وأغفلت البنية التحتية وتسربات الشبكة وانقطاعات الكهرباء.

صفحات المعارضة: الاحتجاجات في الواجهة ومؤشرات على تنسيق

رصد التونسية

تتبنى "رصد التونسية" توجه تحريري معارض للسلطة التونسية، وهي وسيلة إعلامية لها موقع رسمي وصفحة فيسبوك يتابعها 2.1 مليون شخص، وقد ظهر ذلك في تغطيتها للأزمة إذ ركزت على الاحتجاجات الميدانية ومضامين لشخصيات معارضة حول الأزمة، دون أن يظهر في عينة منشوراتها المرصودة أي نقل لرواية مؤسسات الدولة. فقد خصصت للأزمة 32 منشورا من أصل 59 نشرتها في الفترة نفسها، أي 54.2%، وبلغت حصتها 90% من منشوراتها يوم 26 أغسطس.

وتناول 21 منشورا من الـ32 (نحو 66%) احتجاجات متفرقة في مناطق مختلفة، فيما أعادت الصفحة نشر فيديوهات بعناوين مثل "مشاهد صادمة في تونس 2026... تدافع وفوضى وصفوف طويلة للحصول على قارورة ماء معدني". وبلغ متوسط مشاركة المنشور الواحد 1361 مشاركة، وكان من بين ما أعادت نشره مضامين معارضة صراحة، منها تدوينة لفؤاد حمزاوي حمّل فيها الرئيس قيس سعيد مسؤولية الأزمة، وفيديو بعنوان “مواطنة تستغيث: لماذا تعذبوننا؟ فشلتم فارحلوا، ونظرية المتآمرين لم نعد نصدقها”، وصورة نشرتها يوم 26 أغسطس بتعليق "هل تساند دعوات التظاهر اليوم الثامنة مساءً تحت شعار #يزي رفضًا لانقطاع الكهرباء والماء وتدهور الأوضاع في تونس؟".

صفحات معارضة رئيسية: السياسة بالفلاقي، حي التضامن والشبح السياسي

واكبت ثلاث صفحات ذات توجه معارض أزمة المياه بسردية واحدة، قامت أساسا على نقل التحركات الاحتجاجية وإعادة نشر مضامين لشخصيات معارضة، وظهرت في نشرها مؤشرات على تنسيق: تطابق في التاريخ والتوقيت والعنوان في عدد من المنشورات.

وبالأرقام، نشرت صفحة السياسة بالفلاقي 41 منشورا، وصفحة حي التضامن مباشر 52 منشورا، وصفحة الشبح السياسي 43 منشورا، خلال الفترة من 24 إلى 29 أغسطس.

ورصدنا سبعة منشورات تطابق فيها التاريخ والساعة. أربعة منها اشتركت فيها الصفحات الثلاث: فيديو بُثّ يوم 26 أغسطس عند 21:33 بعنوان "أهالي نابل ينتفضون ضد سلطة الفشل"، وثلاثة منشورات يوم 29 أغسطس: "صفاقس: احتجاجات في ساقية الزيت" عند 00:13، و"احتجاجات الليلة في الساحلين" عند 00:26، و"مباشر: ساقية الزيت — ثورة ثورة" عند 00:31. واشتركت "الشبح السياسي" و"السياسة بالفلاقي" في منشورين: “#عاجل احتجاج في المنستير” يوم 26 أغسطس عند 19:59، و"حالة احتقان بسيدي حسين" يوم 28 أغسطس عند 23:56. أما "حي التضامن مباشر" و"الشبح السياسي" فاشتركتا في فيديو واحد يوم 26 أغسطس عند 13:53 بعنوان "وقفة غضب أمام معتمدية طبلبة".

وأعادت الصفحات الثلاث تداول منشورات الأشخاص أنفسهم، المعروفين بمواقفهم السياسية المعارضة: هشام العجبوني (التيار الديمقراطي)، ونبيل حجي (الأمين العام السابق للتيار الديمقراطي)، وإلياس الشواشي (معارض سياسي). واستعملت عبارات مشتركة مثل "سلطة الفشل" و"سيب البلاد يا فاشل" (اترك البلاد أيها الفاشل) و"ارحل يا فاشل" و"منظومة 25 جويلية" و"الانقلاب" و"الثورة جاية جاية" (الثورة قادمة لا محالة) و"قيس الفاشل".

بالتالي ركزت صفحات المعارضة بكثافة على مشاهد الاحتجاج والغضب، ولم يظهر في عينة منشوراتها المرصودة نقل لرواية الدولة، وغلبت على خطابها نبرة تعبوية تستنفر الجمهور. وظهرت بين ثلاث منها مؤشرات على تنسيق: سبعة منشورات متطابقة التوقيت والعنوان، وإعادة تداول منشورات الشخصيات نفسها، وعبارات مشتركة.

الصفحات الموالية: تبسيط الأزمة واتهام الخصوم

تبنّت ثلاث صفحات موالية للسلطة في تونس، هي "عين تونس" و"تحالف أحرار" و"ميديا قروب تونيزيا (بلا قناع)"، سردية متقاربة سطّحت الأزمة بتقديمها ظاهرة عالمية لا تخص تونس وحدها. كما ربطت أسبابها بالمعارضة أو بوسائل إعلام أجنبية مثل الجزيرة وفرانس 24 أو بـ"مؤامرة إقليمية"، وحمّلت المواطن في بعض منشوراتها مسؤولية تفاقمها، دون ذكر الأسباب الموضوعية التي قد تكون وراءها. ورغم غياب التنسيق التقني بينها، حضر "تحالف في السردية" من خلال الأسلوب المعتمد في التعبير والنشر.

فعلى صعيد تعميم الأزمة، أعادت "عين تونس" تدوينة للصادق شعبان اعتبر فيها أن الأزمة "ليست استثناء، بل جزء من أزمة عالمية ضربت دولا كبرى في أوروبا وأمريكا". ونشرت الصفحة نفسها خبرا عن قول والي تونس عماد بوخريص إن أزمة المياه المعلبة "مفتعلة" وإنه سيُضخ أكثر من مليون و600 ألف قارورة في ولايات تونس الكبرى.

أما "ميديا قروب تونيزيا (بلا قناع)" فنشرت يوم 29 أغسطس منشورا حمّلت فيه المواطن المسؤولية، إذ رأت أن "اللهفة المتواصلة" التي تدفعه إلى شراء كميات تفوق حاجته تجعلها تنفد سريعا دون أن تلبي حاجة الجميع.

وفي مهاجمة المعارضة، نشرت "عين تونس" يومي 26 و28 أغسطس منشورين بعنوان “زمن العجائب... المعارضة تتهم قيس سعيد باحتكار الماء المعلب!” وعنوان “معك البحيري، معك العريض، معك مخلوف، معك الشابي، معك محتكر الماء... ربي يفك حبسك”، مرفقا بصورة راشد الغنوشي، في إشارة توحي بربط المعارضين السياسيين بمحتكري المياه، وتحميل هؤلاء ضمنا مسؤولية الأزمة. فيما نشرت "تحالف أحرار" يوم 27 أغسطس فيديو لأحد المدونين يدعو إلى عدم الانسياق وراء دعوات المعارضة للتظاهر.

وبلغ خطاب المؤامرة ذروته لدى "ميديا قروب تونيزيا (بلا قناع)"، التي نشرت يوم 28 أغسطس عند 22:47 منشورا ادعت فيه أن "الخطة واضحة: توسيع الفوضى في ليبيا ومواصلة قطع الماء والكهرباء والبنزين في تونس وإشعال الحرائق في الجزائر"، وحصد المنشور 127 مشاركة و496 تعليقا. وفي 29 أغسطس أعادت نشر فيديو من برنامج "فقط اسمع وشوف" على قناة "الجنوبية" الخاصة، بعنوان "الجيش التونسي ينقذ التونسيين من العطش والعصابات تفجـر قنوات نقل المياه حقائق صادمة تكشف وبالدليل".

وبالأرقام، نشرت صفحة "تحالف أحرار" 38 منشورا عن الأزمة من إجمالي 133 أي بنسبة 28.5%، وصفحة "عين تونس" 21 منشورا من إجمالي 57 منشور أي بنسبة 36.8%، وصفحة "ميديا قروب تونيزيا (بلا قناع)" 13 منشورا من أصل 39 منشور أي بنسبة 33.3%، خلال الفترة من 24 إلى 29 أغسطس.

وعليه، سطّحت الصفحات الموالية، الأزمة بتعميمها وقلّلت من حجمها، ووجّهت المسؤولية إلى المعارضة والخارج والمواطن، دون عرض أسبابها الموضوعية.

لم تعكس التغطية الإعلامية لأزمة المياه في تونس صورة متكاملة عن الأزمة، بل تحولت إلى ساحة لتقديم روايات انتقى كل طرف منها ما يتوافق مع خطابه. وتُعدّ هذه الانتقائية شكلا من أشكال التضليل؛ إذ لا يقتصر التضليل على نشر معلومات كاذبة، بل يشمل أيضا إبراز وقائع صحيحة وإغفال أخرى، بما يفضي إلى تكوين صورة ناقصة أو مشوّهة عن الواقع. فقد قدّم كل طرف، بدرجات متفاوتة، جانبا من الحقيقة، من دون أن يوفّر صورة متكاملة عن الأزمة وأسبابها. ومع غياب المعلومات العملية والتفسيرات الشاملة، يجد المواطن نفسه أمام أطر جاهزة لتحديد المسؤولية، بدلا من معطيات تساعده على فهم الأزمة وتقدير حجمها. ومن شأن ذلك أن يحدّ من قدرته على تكوين موقف مستند إلى وقائع واضحة.

المصادر

لن نشارك بريدك الإلكتروني مع أي جهات أخري. تم وضع علامة على الحقول المطلوبة *

يرجى إدخال الاسم الكامل
يرجى إدخال بريد إلكتروني صالح
يرجى إدخال الرسالة