مصنع الذباب الأسود في نابل: ما الصحيح وما المضلل في الروايات المتداولة؟
ذبابة الجندي الأسود (مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

تتضارب الروايات وتتسع دائرة الجدل في تونس حول مصنع لتربية ذبابة الجندي الأسود واستخدامها في إنتاج البروتينات الحيوانية، تملكه شركة nextProtein في ولاية نابل، بعد احتجاجات شهدتها معتمدية منزل بوزلفة. ففي حين تدافع الشركة عن نشاطها وتقدم تفسيراتها لطبيعة الإنتاج وآثاره، يتمسك عدد من الأهالي بشكواهم ومطالبهم، مستندين إلى ما يعتبرونه مؤشرات على وجود مخاطر تستوجب التدخل.

وبين هذين الموقفين، تداول مواطنون ومسؤولون وخبراء ادعاءات كثيرة، بعضها يتعلق بالمصنع نفسه، وبعضها بتاريخ الشركة، وبعضها بما يقوله القانون. ويتحقق هذا التقرير من هذه الادعاءات، ويفحص الأدلة التي يستند إليها كل طرف، ويميّز بين الوقائع المثبتة والمعلومات غير الدقيقة أو المضللة، بعيدا عن التسليم المسبق بصحة رواية الشركة أو اعتبار كل المخاوف مجرد شائعات.

ذبابة الجندي الأسود (John Obermeyer/ vegcropshotline.org)

ماذا نعرف عن شركة nextProtein ؟

تأسس فرع شركة nextProtein لصاحبها محمد القسطلي في تونس سنة 2016 وفقًا للعدد 59 من الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، الصادر بتاريخ 17 ماي 2016. بنشاط مصرّح به في تصنيع أعلاف الماشية والدواجن. وتُعدّ الشركة من المؤسسات الناشئة التي تنشط منذ نحو عشر سنوات في مجال إنتاج البروتينات والزيوت والأسمدة العضوية، بالاعتماد على تربية يرقات ذبابة الجندي الأسود. حيث يندرج مشروعها ضمن الاقتصاد الأخضر الدائري القائم على تثمين المخلفات الفلاحية وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة.

وتمتلك الشركة مصنعين في ولاية نابل التونسية، يقع الأول بمعتمدية قرمبالية والثاني بمعتمدية منزل بوزلفة. ويشار إلى أن مصنع بوزلفة لايزال في طور التهيئة استعدادًا لانطلاق الإنتاج فيه وهو سيقتصر فقط في تثمين اليرقات وإنتاج الزيوت والبروتين والأسمدة وليس في تربية اليرقات عكس مصنع قرمبالية، وفق تصريح، وائل فرايحي مدير الابتكار بالشركة.

ما الذي يحدث في منزل بوزلفة وقرمبالية؟

شهد شهر أكتوبر من سنة 2026 عددًا من الاحتجاجات، في معتمدية منزل بوزلفة التابعة لولاية نابل، للمطالبة بغلق مصنع لإنتاج البروتين الحيواني من ذبابة الجندي الأسود يتبع شركة "nextProtein" وذلك أيام 3 و10 و12 و15 أكتوبر 2026. وقد تزامنت هذه الاحتجاجات مع غضب كبير على مواقع التواصل الاجتماعي وجدل حول وجود هذا المصنع بالجهة خاصة وأنها الوحدة الثانية التي تدشنها الشركة في ولاية نابل بعد وحدة قرمبالية.

إثر تكرر الوقفات الاحتجاجية أمام وحدة منزل بوزلفة وتصاعد غضب الأهالي المجاورين لمصنع قرمبالية،  قررت لجنة مشتركة تترأسها والية نابل سحب تصنيف الصنف الثالث من مصنع قرمبالية، مع الإقرار بالغلق المؤقت إلى حين القيام بالتعديلات، بعد معاينة لجنة له، وفق تصريح رئيس مجلس الإقليم الثاني أنيس الخلفاوي. يوم 16 أكتوبر 2026.

صورة من وقفة احتجاجية لأهالي منزل بوزلفة من ولاية نابل بتاريخ 15 أكتوبر 2026

غير أنه حتى بعد صدور القرار، تواصلت احتجاجات الأهالي تمسكًا بمطلب الغلق النهائي للمصنع ونقله من الجهة. في المقابل، نظم عمال مصنع nextProtein بقرمبالية، الذي يضم 70 عاملًا، وقفة واحدة أمام مقر ولاية نابل يوم 21 أكتوبر 2026، احتجاجًا على إيقاف نشاط وسحب ترخيص الصنف الثالث من المؤسسة.

فما الذي يحدث بين الطرفين؟ ولماذا وصل الأمر إلى المطالبة بغلق الشركة؟ للإجابة، نتحقق في ما يلي من أبرز الادعاءات التي أثارت استياء الأهالي أو تداولها مسؤولون وخبراء، ومن تصريحات الشركة، ونعرض لكل منها مصدره والأدلة التي يستند إليها، ونميّز بين ما ثبت منها وما ثبت تضليله وما لا يمكن الجزم به.

هل تقع وحدة بوزلفة قرب المستشفى؟ 

نشر أهالي منزل بوزلفة تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي عبروا فيها عن مخوافهم من بعث المصنع بالقرب من المستشفى وتساءلوا حول مدى ملاءمة وجودها في محيط مؤسسة صحية. حيث جاء في إحدى التدوينات "كيف سمحتم لمصنع يربي في الذباب والديدان أن ينتصب على بعد 70 متر فقط من مستشفى عمومي؟ أي دراسة بيئية قرأتم؟ أي ضمير استشرتم؟"

وبالتحقق من خرائط غوغل وجدنا أن الوحدة بالفعل قريبة من المستشفى المحلي "فطومة الإمام" بمنزل بوزلفة.

وعند محاولة قيس المسافة بين المؤسستين، اعتمادًا على نفس الأداة، وجدنا أنها تبلغ حوالي 192 مترًا.

وبالتثبت من الفصل 294 من مجلة الشغل، تبين أنه  الناحية القانونية، لا يُعدّ هذا القرب مخالفة صريحة؛ إذ أُنشئت المؤسسة تحت "الصنف الثالث"، وهو تصنيف يشمل المؤسسات التي لا يُتوقع منها ضرر جسيم على الصحة العامة ولا يُشترط إبعادها عن المناطق السكنية أو المدن، مع خضوعها للمراقبة الإدارية.

في المقابل، طالب المحتجون بمراجعة هذا التصنيف وإعادة النظر فيه؛ معتبرين أن طبيعة النشاط وقربه المباشر من مؤسسة صحية ومناطق سكنية يستوجبان إدراج المصنع ضمن أصناف أكثر صرامة (كالصنف الأول الذي يوجب الإبعاد، أو الصنف الثاني الذي يشترط تدابير وقائية مشددة) للحد من أي مخاطر محتملة.

هل يتسبب النشاط عمومًا بأضرار بيئية وصحية؟

نشر عدد من المواطنين منشورات تعبر عن مخاوفهم من تلوث الهواء والماء في محيط المصنع، زاعمين أنه "مخطط شيطاني لتدمير البيئة".

وفي نفس السياق، صرح عادل زعينين، صاحب مشروع فلاحي ومنزل مجاور لمصنع قرمبالية، أن "عينيه تضررتا بسبب مصنع ذباب الجندي الأسود"، وأن "تحاليل أجراها لمياه بئره بمعهد باستور كشفت عن وجود عدد كبير من البكتيريا، ما جعلها غير صالحة حتى لغسل الوجه. وذلك خلال حوار على موجات إذاعة الديوان أف أم بتاريخ 18 أكتوبر 2026.

 صورة متداولة لتحليل المياه الذي قام به المدعي

كما قال رئيس مجلس الإقليم الثاني، أنيس الخلفاوي، إنه "أحس بحرقة في العين وصعوبة في التنفس عند زيارته للمصنع في قرمبالية". خلال حوار على موجات إذاعة الديوان أف أم بتاريخ 10 أكتوبر 2026.

ومن جهته، اشتكى الجيلاني فرحات، وهو أحد المتساكنين خلف مصنع بوزلفة، من تشققات في السور وتسرب المياه منه، فضلًا عن قربه من أراضيهم الفلاحية، بما يثير مخاوفهم بشأن سلامة محيطهم السكني والزراعي.

وبالتحقق من الضرر الذي يمكن أن يحدثه هذا النوع من النشاط عمومًا، وجدنا في دراسة بعنوان "The Black Soldier Fly" نشرت بمجلة "ScienceDirect"  أنه على الرغم من الإمكانات الواعدة لذبابة الجندي الأسود في أنظمة الأعلاف والأغذية المستدامة، فإن التحديات المتعلقة بردود الفعل التحسسية وخطر الأمراض الحيوانية المنشأ تستلزم مواصلة البحوث. ومن المهم وضع بروتوكولات موحدة، تشمل مراقبة الركيزة، والمعالجات الحرارية، وظروف التخزين المُحكمة لضمان السلامة. 

وحسب دليل تحالف المناخ والهواء النظيف (CCAC) قد يؤدي السماح باستخدام النفايات دون قيود في تربية الحشرات إلى سوء التعامل معها، مما يتسبب في تدهور البيئة. لذا، تضمن القواعد الصارمة معالجة النفايات بطريقة آمنة، مما يقلل من الآثار البيئية الضارة، كتلوث مصادر المياه أو التربة.

إذا ليس بالضرورة أن يكون نشاط تربية الذبابة السوداء واستخراج البروتين منها مضرًّا بالبيئة، فهو يُعدّ من التقنيات الواعدة في تثمين النفايات العضوية وإنتاج بروتين بديل يُستخدم في الأعلاف. غير أن أثره البيئي يتوقف على نوعية النفايات المستعملة، وظروف التشغيل، وطرق معالجة المخلفات وتصريف المياه. وعليه لا يمكن الجزم بأن نشاط المصنع هو المتسبب في الأضرار التي يتحدث عنها الأهالي دون نتائج تحاليل مستقلة ومعاينات ميدانية موسعة تربط الأضرار بالمصنع مباشرة.

تضارب في الروايات.. هل انطلق عمل وحدة منزل بوزلفة أم لم ينطلق؟

وعبّر عدد من أهالي منزل بوزلفة عن تذمّرهم من الروائح المنبعثة من المصنع. كما نشروا مقاطع فيديو ادعوا فيها تمكنهم من الإمساك بذبابة الجندي الأسود بعد تسربها من المصنع إلى المحيط الخارجي.

صورة مقتطفة من فيديو وثقه أحد المواطنين

وبالتحقق، لم يظهر البحث العكسي وجود نشر سابق للفيديو، غير أن صورة الذبابة تبدو غير واضحة، ما يحول دون التأكد من أنها تعود فعلًا إلى ذبابة الجندي الأسود التي يستخدمها المصنع. كما أن الفيديو يُظهر أحد المواطنين وهو يمسك بالذبابة، دون أن يوثّق مكان العثور عليها أو ظروف الإمساك بها. وبناءً على المعطيات المتاحة، لا يمكن الجزم بصحة الرواية المتداولة أو تأكيد ارتباط الذبابة بالمصنع. 

كذلك قالت النائبة بالبرلمان التونسي، ريم الصغير، إنه "تم تسجيل حالة اختناق من الروائح الصادرة عن وحدة منزل بوزلفة" وذلك خلال حضورها في برنامج RDV9 على قناة التاسعة بتاريخ 23 أكتوبر 2026. 

في المقابل، نفت المديرة الإدارية للشركة، أمل رمان، في فيديو نشر على صفحة الشركة انطلاق النشاط في مصنع بوزلفة. ودعم كلامها مدير الابتكار بالشركة وائل فرايحي خلال حضوره في برنامج RDV9 على قناة التاسعة بتاريخ 23 أكتوبر 2026. مؤكدًا أن "الموقع لا يحتوي على يرقات أو ذباب، بل تقتصر الأشغال الجارية فيه على أعمال الصيانة والتجهيز استعدادًا لبدء النشاط". 

ويطرح هذا التباين بين إفادات الأهالي وتوضيحات الشركة ضرورة التثبت ميدانيًا من طبيعة الروائح ومصدر الحشرات، وتحديد مدى ارتباطها بالمصنع قبل استخلاص أي استنتاجات.

ذبابة الجندي الأسود ناقلة  للأمراض والأوبئة؟

وفي نفس السياق، نشر بعض المواطنين عدد من التدوينات، تفيد بإمكانية نقل ذبابة الجندي الأسود للأوبئة، حتى أنهم يسمونه بـ"مصنع الوباء".

في المقابل أكد وائل فرايحي، مدير الابتكار بالشركة، أن هذه الحشرة لا تنقل الأمراض، وأن نسبة الخطر الوبائي على المرضى أو المستشفى تساوي صفرًا، وفق تصريحه. 

وبالتثبت من صحة الادعاء، وجدنا أن منظمة تحالف المناخ والهواء النظيف (CCAC)، تشير إلى أن ذباب الجندي الأسود ليس ناقلًا للأمراض، كما تُستخدم في تثمين المخلفات العضوية وتحويلها إلى بروتين علفي. 

لكن مع ذلك، فإن تقييم المخاطر الصحية يظل مرتبطًا بظروف التربية والمعالجة والنظافة والرقابة، ولا يمكن تعميم انعدام الخطر بصورة مطلقة دون تقييم خاص بكل منشأة. 

كذلك حسب نفس المصدر يتطلب الجمع بين إدارة النفايات وإنتاج الأعلاف الالتزام ببروتوكولات صحية واضحة وصارمة. وبشكل عام، يمكن ضمان سلامة المنتجات والمستهلكين والعاملين من خلال الفصل المادي بين المناطق، والالتزام ببروتوكولات "تحليل المخاطر ونقاط التحكم الحرجة" (HACCP).

هل طردت شركة Next Protein من فرنسا لذلك جاءت لتونس؟

قال أنيس الخلفاوي، رئيس مجلس الإقليم الثاني بولاية نابل، إن الشركة الفرنسية Ynsect التي تأسست سنة 2011 وأُعلن عن تصفيتها في 1 ديسمبر 2025، أغلقت بسبب قضايا تتعلق بأضرار بيئية وصحية على المواطنين". إلى جانب ذلك صرح الناشط، ياسين بوزلفة، بأن سبب قدوم شركة nextProtein إلى تونس هو طردها فرنسا.

وبالبحث في دليل المؤسسات الفرنسي، تبين أن شركة Ynsect تأسست في فرنسا سنة 2011 وتضم مجموعة من المسيرين ولم يظهر بينهم بالبحث اسم محمد القسطلي رئيس شركة nextProtein.

أما بالنسبة لشركة nextProtein فقد تأسست سنة 2015 في فرنسا ويشغل محمد القسطلي رئاسة الشركة.

ومن جهتها، نفت شركة nextProtein في منشور أن شركة Ynsect هي شركة مختلفة نافية أن يكون إغلاقها مرتبطًا بأضرار بيئية أو صحية، وأرجعت تعثرها إلى صعوبات مالية وصناعية، من بينها نقص التمويل وارتفاع التكاليف.

كذلك أوردت صحيفة Le Monde أن تصفية Ynsect جاءت بعد فشلها في تحقيق الربحية بسبب ضعف هوامش الربح وارتفاع تكاليف الإنتاج، فيما أفادت تقارير صحفية بعدم تمكنها من جمع التمويلات اللازمة لمواصلة نشاطها.

في المقابل كشف تحقيق لمنصة Vakita، عن مشكلات داخل المصنع الصناعي قرب أميان، استنادًا إلى صور وشهادات موظفين سابقين تحدثت عن خروج اليرقات من الأماكن المخصصة لها ومشكلات في المنشآت وظروف العمل. 

ولكن رغم ذلك يجب الفصل بين أسباب التصفية المالية الموثقة والانتقادات المتعلقة بالظروف التشغيلية، دون اعتبارها دليلًا على أن أضرارًا بيئية وصحية كانت سبب الإغلاق.

وتجدر الإشارة إلى أن شركة Ynsect  تم غلقها في فرنسا سنة 2025، في حين شركة nextProtein تم تسجيلها في فرنسا سنة 2015 وفي تونس سنة 2016، ما يجعل من غير الدقيق افتراض أن انتقال الشركة إلى تونس كان نتيجة تعذّر مواصلة نشاطها في فرنسا.

هل أول وحدة إنتاج لشركة Next Protein كانت في تونس؟

صرح مدير الابتكار بالشركة بأن "أول وحدة إنتاج كانت في تونس ولم يسبق لهم فتح وحدة إنتاج في فرنسا. وحدة الإنتاج الأولى في المشروع كانت في مدينة قرمبالية منذ 10 سنوات وفرنسا لم تطردنا وليس لها سبب لفعل ذلك خاصة وأن النشاط مسموح هناك وفي دول الاتحاد الأوروبي".

وبالبحث تبين أنه لا يوجد بالفعل وحدة إنتاج في فرنسا  فشركة nextProtein لها 5 فروع في فرنسا 2 تم غلقهم (غير متخصصين في الإنتاج) و3 لازلت تشتغل موزعة بين فرع متخصص في البحث والتطوير و2 في تجارة الجملة (بين الشركات) للمنتجات الغذائية المتخصصة حسب دليل المؤسسات الفرنسي.

هل النشاط ممنوع في فرنسا والاتحاد الأوروبي؟

ادعت بعض المنشورات بأن هذا النشاط ممنوع في فرنسا ودول الاتحاد الأوروبي، قمنا في تفنيد بالتثبت من صحة هذه المعلومة بالرجوع إلى المصادر المفتوحة.

وبالبحث تبين أنها "مضللة" حيث توجد في فرنسا شركات أخرى تنشط في هذا المجال، من بينها Innovafeed، التي تدير موقعًا صناعيًا في نيسل ومركزًا للبحث والتطوير في غوزوكور.

موقع Nesle الصناعي يعد أحد أكبر المواقع المختصة في هذا النشاط في العالم

وكذلك شركة Mutatec التي تعمل على تثمين المواد العضوية باستخدام يرقات الحشرات ومن بينها ذبابة الجندي الأسود.

كما تنشط شركات أخرى في أوروبا، مثل Protix في هولندا وNasekomo في بلغاريا وEnorm Biofactory في الدنمارك.

وبمزيد التحقق وجدنا أنه حسب لائحة المفوضية (الاتحاد الأوروبي) 2017/893 الصادرة في 24 مايو 2017، يُشترط في الحشرات التي تُربى في الاتحاد الأوروبي ألا تكون مسببة للأمراض أو ضارة بصحة النبات أو الحيوان أو الإنسان، وألا تُصنَّف ناقلة لمسببات الأمراض، وألا تكون من الأنواع المحمية أو الغازية. وبناءً على تقييمات وطنية ورأي الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) الصادر في 8 أكتوبر 2015، عدّت اللائحة ذبابة الجندي الأسود من الأنواع المستوفية لهذه الشروط، فأجازت استعمالها في إنتاج الأعلاف، مع تحديد شروط خاصة بالمواد التي تُغذّى بها ومعالجتها.

بالتالي هذا النشاط ليس ممنوعًا في فرنسا أو الاتحاد الأوروبي من حيث المبدأ، وإنما يرتبط الترخيص بجملة من القواعد.

هل يمنع القانون في تونس إنتاج البروتينات من الحشرات؟

قال الباحث في علم المناخ جميل الحجري إن "القانون عدد 41 لسنة 1996 يمنع منعا باتا إنتاج البروتينات من النفايات وبالتالي فإن المؤسسة الموجودة في قرمبالية هي مؤسسة غير قانونية والتمادي في توزيع نشاطها إلى منزل بوزلفة هو أيضا غير قانوني والأخطر أن الحجم يفوق 10 مرات ماهو موجود في قرمبالية".

بالتحقق من الادعاء لم نتمكن من إيجاد ما يدل على منع بات لإنتاج البروتينات الحيوانية انطلاقًا من النفايات في تونس في القانون عدد 41 لسنة 1996، المتعلق بالنفايات وبمراقبة التصرف فيها وإزالتها، في حدّ ذاته. ولمزيد التثبت بحثنا إذا كان هناك قوانين أخرى تدعم ما جاء في تصريح المدعي لكن لم نتمكن من التوصل إلى ما يؤكد ذلك. حيث لا يوجد منع صريح أو كراس شروط خاصة بهذا النشاط بالتحديد لكنه يجب أن يخضع لرقابة وترخيص.

من المراسلات إلى الاحتجاجات: هل استمعت السلط إلى أهالي قرمبالية؟

أفاد أحد المتضررين، خلال حوار على إذاعة ديوان أف أم، بأنه وجّه مراسلة إلى وزير البيئة بتاريخ 29 يناير 2024  دون أن يتلقى ردًا، كما راسل المدير العام للوكالة الوطنية لحماية المحيط يوم 23 يوليو 2024، إلى جانب توجيه شكايات إلى والي نابل والمعتمد منذ سنة 2024، دون تسجيل تفاعل، وفق قوله. 

من جهة أخرى تقدّم نشطاء من المجتمع المدني، عن طريق محامٍ، بعريضة إلى ولاية نابل بتاريخ 25 سبتمبر 2026 للحصول على نسخ من التراخيص الخاصة بالمصنع، غير أنهم لم يتلقوا إجابة إلى اليوم، بحسب تصريح رئيس مجلس الإقليم الثاني. 

وإثر تصاعد وتيرة الاحتجاجات بالجهة انعقد مجلس الإقليم الثاني بمقر ولاية نابل للنظر في الموضوع يوم 16 أكتوبر 2026 وأوصى بتكليف لجنة فنية لإجراء معاينة ميدانية لموقعي الشركة.

بلاغ صحفي صادر عن شركة nextProtein بتاريخ 20 أكتوبر 2026

وتطوّرت الأحداث لاحقًا في محيط وحدة بوزلفة، فقد أفادت منشورات متداولة بوفاة أحد المحتجين في حادثة دهس، واتّهم الأهالي المصنع بالتسبّب فيها، في انتظار استكمال التحقيقات وكشف ملابسات الواقعة وتحديد المسؤوليات. وفي الليلة نفسها، تعرّض مصنع بوزلفة للحرق والنهب، وفق ما أظهرته مقاطع فيديو متداولة وما ورد في منشور على صفحة شركة.

الخلاصة:

تبيّن من التحقق أن عددا من الروايات المتداولة لا يسنده الدليل، وأن التضليل لم يصدر من طرف واحد. فلا شيء يثبت أن nextProtein "طُردت من فرنسا"، ولا أن النشاط محظور في الاتحاد الأوروبي، ولا أن القانون عدد 41 لسنة 1996 يمنعه منعا باتا. وفي المقابل، تأكيد الشركة أن الخطر الوبائي "يساوي صفراً"، لا يسنده دليل حتى وإن صحّ أن الحشرة نفسها ليست ناقلاً معروفاً للأمراض، إذ لا يمكن نفي الخطر تماماً عن المنشأة بعينها.

أما أثر الوحدتين على البيئة والصحة، وصدور الذباب والروائح في بوزلفة عن الوحدة، وقانونية التصنيف والتراخيص، فلم تُحسم بعد، ولا يمكن حسمها قبل نشر التحاليل المستقلة ونتائج المعاينة الفنية ونسخ التراخيص. وكلما غابت الوثائق الرسمية، ملأت الشائعات والاتهامات الفراغ. وبعد التطورات الأخيرة في محيط وحدة بوزلفة، تزداد الحاجة إلى بيانات رسمية وإلى التريث في تداول الاتهامات قبل صدور نتائج التحقيقات.

المصادر

لن نشارك بريدك الإلكتروني مع أي جهات أخري. تم وضع علامة على الحقول المطلوبة *

يرجى إدخال الاسم الكامل
يرجى إدخال بريد إلكتروني صالح
يرجى إدخال الرسالة