يُعيد موقع «تفنيد» نشر هذا التقرير، الذي نُشر في الأصل على موقع «غربال».
بدأت القصة في مدينة كريتاي الفرنسية، يوم الخميس 17 شتنبر، حين قرر بعض أساتذة ثانوية سان إكزوبيري خوض إضراب احتجاجاً على النقص في الأطر العاملة بالمؤسسة، وأعلن تلاميذ الثانوية بعد أيام قليلة عن انضمامهم إلى إضراب الأساتذة وإغلاق المؤسسة احتجاجا على نقص الموارد والموظفين، قبل أن تنتقل الاحتجاجات إلى ثانويات أخرى.
في مدينة كريتاي، عرفت الاحتجاجات مشاركة نائبة الجمعية الوطنية الفرنسية، وعضوة حزب “فرنسا الأبية”، كليمانس غيتيه، إلى جانب أولياء تلاميذ الثانوية رافعين لافتات كتب على واحدة منها “L’éducation, c’est un droit” بمعنى “الدراسة حق”.
وبين هذه الأحداث ومع اندلاع أحداث عنف وتخريب، كان واقع آخر يتسلل بين المنشورات على منصات التواصل الاجتماعي، حيث لم يقتصر المحتوى المتداول على توثيق الوقائع، بل امتد إلى تقديم مشاهد من أحداث مختلفة باعتبارها جزءا من الاحتجاجات الجارية، وإرفاقها بخطاب سياسي يربط الاضطرابات بالمهاجرين والإسلام.
في هذا التقرير تتبعنا كيف تم استعمال فيديوهات معاد تدويرها كمادة لبناء سرديات سياسية مضللة، وربط الاحتجاجات بالمهاجرين والإسلام.
مقاطع فيديو معاد تدويرها خارج السياق
مع توسع رقعة الاحتجاجات في فرنسا، انتقل السجال السياسي حول الاضطرابات إلى تحميل المسؤولية بصورة جماعية لجماعات عرقية أو دينية، الخطاب اليميني واليميني المتطرف واصل تقديم الفرنسيين من أصول غير أوروبية باعتبارهم فئة غير قابلة للاندماج، بدلا من حصر المسؤولية عن أعمال العنف في الأفراد المتورطين فيها.
هذه السردية، ترافقت مع إعادة نشر مقاطع فيديو قديمة أو غير مرتبطة بالاحتجاجات، بما ساهم في تعزيز الانطباع بأن مشاهد العنف تمثل دليلا على أزمة مرتبطة بالهجرة والإسلام، وليس على أحداث ينبغي فهمها في سياقاتها الاجتماعية والسياسية المحددة.
يوم 18 أكتوبر 2026، نشر حساب على منصة إكس مقطعي فيديو، مع تعليق ينتقد أعمال التخريب ويربطها بالمهاجرين في فرنسا، حيث يظهر مقطع اندلاع النيران في مقر بلدية ليموج وسط فرنسا، والثاني لحشود تتظاهر في باريس، وتبرز فيه علامة مائية عبارة عن اسم مستخدم (User name)، على منصة انستغرام، وتبين أن الحساب يعرف نفسه بأنه قناة إخبارية فنزويلية، نشر المقطع في العاشر من أكتوبر الجاري، ويزعم أنه لاحتجاجات تلاميذ الثانويات في ساحة الباستيل في باريس، منتقدا رفع أعلام دول منها المغرب والجزائر وفلسطين وأعلام أمازيغية.

وباعتماد تقنية البحث العكسي وتتبع المعالم والأدلة البصرية تبين أن المقطع الأصلي يعود على الأقل إلى ماي 2025، وتم توثيقه في ساحة الجمهورية (Place de la République) وليس ساحة الباستيل، حيث يظهر في الخلفية مبنى مدرسة “وول ستريت إنجلش” (Wall Street English)، كما أنه تم تصويره في سياق مظاهرة داعمة لغزة، وتسمع في بداية الفيديو هتافات بالفرنسية تعني “كلنا أطفال غزة”.


كما رصد فريق منصة غربال نشر حساب مغربي مقطع فيديو على منصة إكس في الأيام الأولى من شهر أكتوبر 2026، يظهر اندلاع النيران في مركبات في الشارع، ويزعم أنه “من احتجاجات الفصول إلى نيران الشوارع.. فرنسا تشتعل!”، حيث حقق المنشور أكثر من 9 ملايين مشاهدة، كما ربط الناشط اليميني البريطاني تومي روبنسون، بين الاحتجاجات وما وصفه بانتشار التحالف بين الإسلاميين والخضر في المجتمعات الغربية. حيث حازت مشاركته للمنشور أكثر من 887 ألف مشاهدة، مع تعليق يقول: “إن التحالف المشؤوم بين الخضر والإسلاميين ينتشر في أوروبا الغربية وأمريكا، وما تشهده فرنسا سيصل إلى جميع البلدان ما لم يتم إيقافه”، مضيفا “ولا بد من إيقافه”.

تحقق فريق منصة غربال من الادعاء وتبين أن المقطع قديم وأعيد نشره خارج سياقه، حيث يرجع في الأصل إلى احتجاجات الجالية الكردية في باريس سنة 2022.
وامتد هذا الخطاب إلى شخصيات سياسية، إذ وصف “روديجير لوكاسن” النائب الألماني عن حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني (AfD)، في منشور على منصة إكس (الأرشفة)، الأحداث بأنها “اضطرابات عرقية خطيرة”، قائلا “ما يحدث في فرنسا يهم الغرب بأسره، والعالم المسيحي الغربي بأكمله. ولن يكون بالإمكان معالجة هذه المشكلة إلا إذا سميناها باسمها الحقيقي. فهي ليست احتجاجات طلابية، ولا اضطرابات اجتماعية”. وصفا إياها بأنها “أعمال شغب عرقية بالغة الخطورة، تهدف إلى تدمير بلداننا وثقافتنا”.
وفي 6 أكتوبر 2026، انضم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى هذا الخطاب، إذ نشر تغريدةعبر حسابه الرسمي على منصة تروث سوشيال (Truthsocial)، حمل فيها الإسلام مسؤولية ما يجري في فرنسا، معتبرا أن “ما يحدث في فرنسا ليس سوى هجرة جماعية خرجت عن السيطرة”، وأن الأمر لا يتعلق بالمدارس، بل بمحاولة الإسلام السيطرة على بلد كان عظيما في السابق.

ماذا وقع فعلا؟
في الخامس من شهر أكتوبر قالت وزارة الداخلية الفرنسية(الأرشفة)، إن العديد من المدن الفرنسية تشهد أعمال عنف على هامش حركة احتجاج تلاميذ الثانويات، ما أسفر عن تخريب الممتلكات العامة، حيث قدرت تكلفة إعادة هذه الممتلكات إلى حالتها الأصلية بملايين اليوروهات، بحسب الوزارة.
وأضافت الوزارة أنه إلى غاية 5 أكتوبر 2026، وضع 5,060 شخصًا قيد الحراسة النظرية، من بينهم 87% من القاصرين (4,406 أشخاص)، و13% من البالغين (654 شخصًا).
وأكدت وزارة التربية الوطنية الفرنسية أنها ستعمل على اتخاذ إجراءات عملية استجابة لمطالب تلاميذ الثانويات، من خلال حل مشكلة نقص المدرسين، وتحسين المباني بالتعاون مع المجالس الجهوية التي تقع على عاتقها مسؤولية ذلك، وتنظيم أيام الدراسة بشكل أفضل، وجعل نظام “باركورسوب” الإلكتروني أكثر شفافية، وهو نظام خاص بالتقديم لمؤسسات التعليم العالي بعد الحصول على البكالوريا.
كما أعلنت الوزارة عن فتح مشاورات وطنية عبر منصة “أغورا” (Agora)، ستستمر إلى غاية يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، مع تلميذات وتلاميذ الثانويات من أجل تحسين مسارهم الدراسي.