وجوه مسروقة.. كيف تُستخدم صور المشاهير لتأجيج الكراهية ضد المهاجرين في تونس؟

شهد موقع فيسبوك في تونس، خلال الفترة الأخيرة تداولا واسعا لمنشورات تزعم وقوع جرائم وحوادث عنف نُسبت إلى مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، غير أن التحقق من هذه المنشورات يكشف اعتمادها بشكل متكرر على صور مسروقة من الإنترنت، بينها صور لمشاهير عالميين، جرى استخدامها خارج سياقها الأصلي.

ظهرت وجوه معروفة عالميا من أصحاب البشرة السوداء مثل Kanye West، و Chief Keef Kendrick Lamar ، وSean Combs، و Speed في منشورات تتحدث عن جرائم مزعومة داخل تونس مثل السرقة والاغتصاب، دون أي أساس واقعي، ففي إحدى الحالات جرى تداول صورة لمغني راب أمريكي على أنه "سارق خطير" في أريانة.

تتبع "تفنيد" تلك المنشورات، وأظهرت عملية التحقق التي اعتمدت على البحث العكسي عن الصور ومراجعة المصادر الرسمية، أن جميع الحالات التي شملها التحليل تقريبا لا تستند إلى أي أدلة موثوقة أو تقارير إعلامية، كما تبين أن هذه المنشورات اعتمدت على عنصر بصري مضلل، وهو صور مشاهير عالميين تم تقديمها على أنها "لمجرمين" أو "مهاجرين متورطين".

وبالإضافة إلى استخدام صور مأخوذة من سياقات مختلفة، أظهرت بعض المنشورات أيضا ضعفا في بناء الرواية نفسها، من خلال تقديم تفاصيل غير منسجمة أو مبالغ فيها، ما يضعف من مصداقيتها حتى قبل التحقق منها.

كما اعتمدت هذه المنشورات نمطا متكررا يقوم على سرد تفاصيل أمنية "دقيقة"، وإعادة نشر المحتوى عبر صفحات متعددة، قبل حذفه أو إعادة تداوله بصيغ مختلفة، ورغم كشف زيف عدد منها، فقد حظيت بتفاعل واسع وصل في بعض الحالات إلى تعليقات عدائية تجاه المهاجرين.

يستعرض هذا التقرير جزءا من المحتوى المتداول حول المهاجرين في تونس، والذي يعتمد على إعادة توظيف صور لأشخاص لا علاقة لهم بالوقائع المزعومة.

سرقة مزعومة في الزهروني: صورة مغني راب أمريكي تُستخدم في اتهام "مضلل"

تداولت عدة صفحات على فيسبوك خلال الفترة بين 14 و16 مايو 2026، ادعاءً يتضمن مزاعم حول سرقة في منطقة الزهروني ونسبتها إلى إفريقي من جنوب الصحراء، مرفقًا بصورة يُزعم أنها تعود للفاعل:

صورة من الادعاء المتداول

وبالتحقق من الصورة عبر البحث العكسي، تبيّن أنها تعود لمغني الراب الأمريكي Sean Combs، وأنها نُشرت في سياق مختلف تماما لا علاقة له بمضمون الادعاء، قبل إعادة توظيفها داخل المنشور.

كما يُلاحظ أن النص المصاحب للصورة تضمّن رقم هاتف غير مطابق للصيغة المعتمدة لأرقام الهواتف في تونس (9 أرقام بدل 8)، إضافة إلى ذلك، أظهرت متابعة التفاعل على المنشور أن بعض المستخدمين تمكنوا من كشف المصدر الحقيقي للصورة وتحديد هوية صاحبها، غير أن غالبية التعليقات ركّزت على تبني مضمون الادعاء وتوجيه مواقف سلبية تجاه المهاجرين، كما أن الادعاء تم نشره على صفحة "توانسة ضد الاستيطان والترهدين" قبل حذفه فيما بعد، وتناقلته حسابات أخرى.

"خطاب تحريضي" باستخدام صورة مغني راب أمريكي

كما تداولت صفحات على موقع فيسبوك منشورا يتضمن نصا تحريضيا مطولا يزعم مشاهدة بث مباشر لمهاجر يهدد التونسيين، مع تقديمه في سياق يروّج لفكرة "خطر داهم" على المجتمع، وحمل المنشور خطابا عاطفيا وتصعيديا، دعا إلى "حماية الوطن" و"التصدي للمؤامرة"، في صياغة توحي بوجود تهديد مباشر دون تقديم أي أدلة أو مصادر موثوقة:

صورة من الادعاء

وبالتحقق من الصورة المرفقة بالمنشور، تبيّن أنها تعود لمغني الراب الأمريكي  Playboi Carti،  كما أظهر التتبع أن المحتوى تُداول أولا على صفحة "توانسة ضد الاستيطان والترهدين" بتاريخ 16 مايو 2026، قبل أن يُعاد تداوله عبر صفحات أخرى مثل "التصدي للهجرة غير الشرعية - تونس ضد الاستيطان والتوطين"، و"تنسيقية توانسة ضد الاستيطان والتوطين"، و"قيس سعيد رئيس الجمهورية التونسية"، فيما نشرته إحدى الصفحات تحت عنوان: "بلاغ عمومي خطير جدا في تونس وليبيا استفيقوا يا عرب".

إيقاف مزعوم لمهاجر "خطير" باستخدام صورة Kanye West

تداولت عدة صفحات على فيسبوك ادعاء يفيد بإيقاف مهاجر إفريقي من دول جنوب الصحراء بأريانة، مع ربطه بسلسلة من الجرائم المزعومة، من بينها الاعتداء والسرقة، وادعاءات بضلوعه في قتل شاب داخل المنطقة، إضافة إلى تقديمه كعنصر خطير صادر في شأنه عدد كبير من منشورات التفتيش:

صورة من الادعاء المتداول

وجاء المنشور بصياغة سردية مفصلة تتضمن أوصافا أمنية دقيقة وتفاصيل عنيفة، دون تقديم أي مصدر رسمي أو تقارير إعلامية تدعم هذه المزاعم، كما تُداول على نطاق واسع عبر عدة صفحات مثل "كلنا قيس سعيد" و"ميمو عباسي" و"حنان رجب" و"إلياس هاكسر"، كما يلاحظ أن الادعاء تم حذفه أو إعادة نشره بصيغ مختلفة في صفحات أخرى.

وبالتحقق من الصورة المرافقة عبر البحث العكسي، تبيّن أنها تعود لمغني ومنتج الأفلام الأمريكي Kanye West، واستُخدمت خارج سياقها ضمن رواية لا تستند إلى معطيات موثوقة.

في المقابل، لم نتمكن من العثور على أصل الصورة المنسوبة إلى “الضحية” المذكورة في الادعاء، كما لم يُسفر البحث عن أي نتائج أو بيانات رسمية تؤكد وجود الشخص المعني أو وقوع جريمة القتل المشار إليها في المنطقة المذكورة.

وتجدر الإشارة إلى أن استعمال أسماء تونسية داخل هذا النوع من المنشورات يطرح أكثر من سؤال حول مصداقية هذه الروايات، إذ تبدو في بعض الحالات أقرب إلى الطابع الساخر أو غير الجاد، ورغم ذلك لاقت انتشارا واسعا وتفاعلات ملحوظة على منصات التواصل الاجتماعي.

فاجعة مزعومة في حي الرمال بتوزر باستخدام صورة لمغني راب أمريكي

كما تداولت صفحات على فيسبوك يوم 15 مايو 2026 ادعاء يزعم وقوع جريمة اغتصاب لطفل يبلغ 12 سنة في حي الرمال بولاية توزر، ونسب الحادثة إلى مهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء يعمل حلاقًا من أصول كينية. وقدّم المنشور تفاصيل صادمة عن الواقعة، مع الإشارة إلى تدخل أمني مزعوم، ونقل الطفل إلى المستشفى، وتوقيف الجاني وترحيله، في صياغة سردية توحي بوجود قضية جنائية مؤكدة دون تقديم أي مصدر رسمي:

صورة من الادعاء المتداول

وشهد الادعاء انتشارا واسعا حيث نشر على صفحة "تنسيقية توانسة ضد الاستيطان والتوطين"، قبل حذفه والإبقاء على "عنوان تحذيري" وعلى التعليقات التي تنادي بالترحيل، كما نشرته صفحة "جوكر تونس"، وحساب باسم "مبارك شريد"، وصفحة "الحقائق الأربعة" بعنوان: "الحصانة للأمن القومي أصبح ضرورة"

وبالتحقق من المحتوى، تبين أن الصورة المرفقة بالمنشور تعود لمغني الراب الأمريكي Chief Keef، واستُخدمت خارج سياقها لتدعيم الادعاء، في المقابل لم تُسفر عمليات البحث العكسي عن تحديد مصدر صورة الطفل، كما لم يتم العثور على بيانات رسمية أو تقارير إعلامية موثوقة تؤكد وقوع حادثة مماثلة في ولاية توزر،  كما تواصل "تفنيد" مع مندوب حماية الطفولة في الجهة، ولم نحصل على رد يؤكد صحة الواقعة.

وفي المقابل، حذرت بعض الحسابات من زيف المنشور ودعت إلى عدم الانسياق وراءه، واعتبرته جزءا من محتوى "مضلل" يساهم في تأجيج التوتر.

ويُلاحظ أن المنشور استُخدمت فيه أسماء تونسية وتفاصيل محلية، وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول مصداقية هذه السرديات، رغم طابعها الصادم وانتشارها الواسع وتفاعل جزء من المستخدمين معها دون تحقق.

منشور حول "مهاجر خطير" في حي الانطلاقة يوظف صورة لمغني راب مشهور

تداولت صفحات على فيسبوك بين 14 و16 مايو 2026 ادعاءً، يزعم توقيف شخص (مجنس) يُقدَّم على أنه "مهاجر كاميروني خطير" متورط في سرقة معدات كهربائية ولوحات شمسية من محطات المترو بحي الانطلاقة، وقد صيغ المنشور بأسلوب سردي تفصيلي يتضمن معلومات عن "تحقيقات أمنية" و"شبكة إجرامية محتملة"، مع دعوات مباشرة للتبليغ والتدخل، في خطاب يوحي بوجود خطر أمني واسع دون تقديم أي مصادر رسمية أو أدلة موثوقة:

صورة من الادعاء المتداول

ويُلاحظ أن المنشور تُداول عبر عديد الصفحات قبل أن حذفه أو إعادة تداوله بصيغ مختلفة، وتمكنا من الحفاظ على نسخة مؤرشفة من صفحة "من حمام الأنف" وعنوانها "تحية للسلطات الأمنية"، كما نشرته صفحة "تونسنا" و"حنان بن رجب"، ورغم استعمال اسم عربي (كريم بن عمار)، وتأكيد بعض المعلقين أن الصورة لشخصية مشهورة، إلا أن عديد التعليقات أبدت غضبها الحاد من عبارة "مجنس" التي استعملت في الادعاء مع دعوات للطرد والترحيل.

وبالتحقق من الصورة المرفقة بالمنشور عبر البحث العكسي، تبيّن أنها تعود لمغني الراب الأمريكي Kendrick Lamar، ولا علاقة لها بالمحتوى المتداول. كما لم يُعثر على أي بيانات أو تقارير إعلامية تؤكد الحادث بالصيغة المذكورة أو شخص بالهوية المتداولة بالادعاء.

كيف تحولت صورة Speed إلى قصة مثيرة عن استبدال العمال التوانسة بالمهاجرين؟

تداولت صفحات وحسابات على فيسبوك يوم 14 مايو 2026 ادعاءً يزعم أن مهندسا تونسيا يدعى "يوسف الكاركي" قرر طرد كامل فريقه التونسي العامل في مشاريع بناء بعدة أحياء معروفة في تونس العاصمة، وتعويضهم بعمال من دول إفريقيا جنوب الصحراء يشرف عليهم شخص يدعى "سبايدو واتارا"، مع إرفاق المنشور بصورتين قيل إنهما للمهندس والعامل المذكورين، وتضمّن النص دعوة مباشرة للمتابعين للتفاعل مع القرار بين "مع" و"ضد":

صورة من الادعاء

وأظهر التتبع أن الادعاء تم تداوله عبر صفحة "ga3four VII"، قبل أن يعاد تداوله في صفحات أخرى مثل "توانسة ضد الاستيطان والترهدين"، و"التصدي للهجرة غير الشرعية"، و"تنسيقية توانسة ضد الاستيطان والتوطين"، إلى جانب مجموعات أخرى أعادت نشر المحتوى بصيغ مشابهة، وتبين بالتحقق من الصور باستخدام البحث العكسي، أن الصورة المستخدمة للشخص المقدم على أنه "سبايدو واتارا" تعود في الحقيقة إلى صانع المحتوى ومغني الراب الأمريكي Speed، كما أن الصورة الثانية لا تعود لـ"مهندس تونسي" كما ورد في الادعاء، بل لصورة من حساب شخص اندونيسي وتم التلاعب بها عبر نزع الوجه الأصلي واستبداله بوجه آخر، دون أن نتمكن من تحديد هوية الشخص المضاف أو مصدره الأصلي بدقة.

ويُظهر هذا المثال، كما هو الحال في بقية الحالات الواردة في التقرير، اعتماد بعض المنشورات على صور مأخوذة من الإنترنت وشخصيات معروفة وأخرى غير معروفة، بهدف إضفاء طابع واقعي على روايات غير موثقة، كما ساهم الطابع الاستفزازي للمنشور في انتشاره الواسع، ما أدى إلى حصوله على تفاعلات وتعليقات من المتابعين، رغم هشاشة المعطيات التي يستند إليها.

استمرار تداول المنشورات.. وتكذيب رسمي

رغم أن هذا التقرير يركز على المنشورات المتداولة بين 14 و16 مايو 2026، فإن نمطا مشابها من الادعاءات استمر في الانتشار لاحقا على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن بين الأمثلة التي رصدها "تفنيد"، منشور جرى تداوله يوم 18 مايو 2026، زعم مقتل شابة بمدينة القلعة الكبرى من ولاية سوسة على يد مهاجر من دول إفريقيا جنوب الصحراء، مع استخدام صورة تعود في الحقيقة لمغني الراب الأمريكي Young Nudy:

صورة من الادعاء المتداول

وبالتحقق من الادعاء، تبيّن عدم صحة الواقعة، حيث أكدت مصادر أمنية لإذاعة "ديوان أف أم" عدم تسجيل الجريمة المذكورة، مع فتح محضر بخصوص الإشاعة وإدراج مروّجيها في التفتيش.

ويُظهر هذا المثال أن هذا النوع من المنشورات، رغم اعتماده على صور معاد استخدامها وسرديات غير موثقة، ظل قابلا للتصديق والتداول على نطاق واسع، إلى درجة دفعت وسائل إعلام ومصادر أمنية إلى التدخل لنفيه بشكل مباشر، في تطور يعكس اتساع أثر هذه المنشورات داخل الفضاء الرقمي وخارجه.

أنماط التلاعب: ماذا تكشف هذه المنشورات؟

تكشف الحالات التي رصدها "تفنيد" وجود نمط متكرر في الأمثلة التي اخترناها من موجة الادعاءات المتشابهة، والتي تقوم على استخدام صور مأخوذة من سياقات مختلفة، من بينها صور لمشاهير عالميين وأشخاص غير معروفين، ثم إعادة توظيفها داخل روايات تتحدث عن جرائم واعتداءات مزعومة داخل تونس، بما يمنحها مظهرا واقعيا رغم غياب أي أساس موثوق لها.

كما تُظهر هذه المنشورات تنوعا في أساليب التلاعب البصري، لا يقتصر على إعادة استخدام الصور فقط، بل يمتد في بعض الحالات إلى تعديلها أو استبدال وجوه داخلها، بما يزيد من صعوبة التحقق الفوري ويعزز قابلية التصديق لدى المتابعين.

إلى جانب ذلك، تعتمد هذه المحتويات على بناء سرديات أمنية واجتماعية مفصلة ومثيرة، تُقدم أحيانا في قالب قريب من الخبر، رغم غياب أي بيانات رسمية أو تقارير إعلامية تؤكد صحتها، وهو ما يضعف مصداقيتها منذ البداية.

وتبيّن أيضا أن عددا من هذه المنشورات يُحذف لاحقا من الصفحات التي نشرته، بينما يستمر إعادة تداوله عبر حسابات وصفحات أخرى، أحيانا بصيغ مختلفة أو بصور بديلة، ما يعكس طابعا شبكيا في انتشار هذا النوع من المحتوى.

وفي المقابل، أظهرت متابعة التفاعلات أن كثيرا من التعليقات تعاملت مع هذه المنشورات باعتبارها وقائع حقيقية، وتضمنت في بعض الحالات مواقف عدائية أو تحريضية تجاه المهاجرين، حتى في الحالات التي تم فيها كشف زيف الصور أو تحديد مصادرها الأصلية.

كما يُظهر استمرار تداول هذا النوع من المحتوى، ووصول بعض الادعاءات إلى حد استوجب تدخلا إعلاميا وأمنيا لنفيها، أن هذه المنشورات لا تبقى محصورة داخل الفضاء الرقمي فقط، بل يمكن أن تمتد آثارها إلى النقاش العام وتؤثر في طريقة تفاعل الجمهور مع قضايا الهجرة والمهاجرين.

المصادر

لن نشارك بريدك الإلكتروني مع أي جهات أخري. تم وضع علامة على الحقول المطلوبة *

يرجى إدخال الاسم الكامل
يرجى إدخال بريد إلكتروني صالح
يرجى إدخال الرسالة