بين الحقّ الدستوري في تعليم عمومي

في هذه القصّة، ننحت من البيانات ملامح المدرسة التونسية على مدى عقود: مدارسٌ عموميّة متوسّعة في الجهات، وتعليم تحضيري شبه معمّم، ونخبة نموذجية صاعدة وتعليم خاص يسرق الأضواء. 

كتبت: نورهان كاهنة

حين يتعلّق الأمر بقياس النفاذ إلى المؤسسات التعليميّة في تونس، تكتسبُ بيانات المدرسة العمومية أهميّة خاصّة، لأنّها تعكس التزاما دستوريا للدولة بضمان متكافئ لحقّ التعليم لكلّ تلميذ تونسي أيّا كانت جهته. أما التعليم الخاص، فيخضع لمنطق السوق والخصائص الاقتصادية لكلّ جهة، ولا يُساءل على توسّعه أو امتداده صانع السياسات التعليميّة العمومية. 

وعليه، نسلّط الضوء، في هذه القصّة، على القطاع العمومي كأساس يُقاس من خلاله أداء الدولة، بينما نستعرض مؤشرات القطاع الخاص كسياق إضافي مكمّل للصورة، وليس كدليل على إنجازات المنظومة العمومية. فماذا تكشفُ هذه المنظومة حين نقرأها رقما رقما، وعاما بعد عام؟

بين الابتدائي والثانوي.. العمومي والخاص: كيف تتشكّل الخارطة المدرسيّة في تونس اليوم؟

جرت السنة الدراسية 2025-2026 في 7466 مؤسسة تربوية في تونس، توزّعت بين 5301 مدرسة ابتدائية و2165 مدرسة إعدادية ومعهدا ثانويا.

وهيمن القطاع العمومي على الخارطة المدرسية بـ6160 مؤسسة، أي بـ82.5% من إجمالي المؤسسات، ضمّت 4593 مدرسة ابتدائية، من بينها 2777 احتوت على أقسام تحضيرية (60.5%)، إلى جانب 1488 مدرسة إعدادية ومعهدا ثانويا، منها 51 مؤسسة نموذجية، بالإضافة إلى 79 معهدا تقنيا.

في المقابل، ضمّ القطاع الخاص 1306 مؤسسات، بنسبة 17.5%، توزّعت إلى 708 مدارس ابتدائية و598 مدرسة إعدادية ومعهدا ثانويا.

ماذا بشأن تركيبتها؟

وفقا للمؤشرات الرسمية، ناهز إجمالي عدد التلاميذ خلال ذات السنة الدراسية 2,580,908 تلميذا. 

وبلغ إجمالي عدد التلاميذ في القطاع العمومي 2,318,463 تلميذا، بنسبة 89.8%. واستحوذ التعليم الابتدائي على النصيب الأكبر بـ1,152,752 تلميذا (49.7%)، يليه الإعدادي بـ563,315 (24.3%)، منهم 549,151 في الإعدادي العادي و14,161 في النموذجي، ثم الثانوي بـ533,964 (23%)، موزعين بين 515,524 في العادي و18,440 في النموذجي. أما الأقسام التحضيرية فضمت 55,873 تلميذا (2.4%)، والمدارس التقنية 12,559 (0.5%).

في المقابل، بلغ إجمالي التلاميذ في القطاع الخاص دون احتساب الأقسام التحضيرية 262,445 تلميذا بنسبة 10.2%، توزعوا بين الابتدائي بـ136,422 تلميذا (52%)، والإعدادي بـ60,487 (23.1%)، والثانوي بـ65,536 (25%). أمّا تلاميذ الأقسام التحضيرية، الذين لم تُدرجهم الوزارة ضمن إحصاءاتها النهائية، فبلغ عددهم فعليا 12,991 تلميذا.

مفارقة جندرية: الفتيات الأوسع عددا في التعليم العام.. والتقني ذكوري بامتياز: 

جندريا، تنقلب الكفّة تدريجيا لصالح الفتيات مع التقدّم في المراحل التعليمية في القطاع العمومي، من 50.8% للفتيان في الأقسام التحضيرية و51.9% في الابتدائي، إلى 51.3% للفتيات في الإعدادي و59.9% في الثانوي.

وفي التعليم النموذجي، تهيمن الفتيات بنسبة 53.5% في المرحلة الإعدادية، وترتفع إلى 59% في المرحلة الثانوية. فيما ينعكس الأمر تماما في التعليم التقني، حيث يمثّل الفتيان 84%، مقابل 16% للفتيات، ما يعكس تمثّلات اجتماعية نمطية تربط التكوين التقني والمهني بالفتيان.

وفي القطاع الخاص، ينعكسُ المشهدُ تماما، حيثُ يتسّم بهيمنة ذكوريّة في كلّ مراحله، من الأقسام التحضيريّة إلى الثانوية.

نتبيّن ممّا سبق أنّ تركيبة التلاميذ في القطاعين تتشابه إلى حدّ بعيد، باستثناء الفوارق الجندرية. فهل ينسحب هذا التشابه القطاعي على جغرافية المؤسسات أيضا؟

جغرافية المدرسة العمومية: أين يتركزّ تلاميذ تونس، وأين توزّع الدولة مدارسهم؟ 

وتكشف خريطة المدارس العمومية تفاوتا جهويا واضحا، إذ تتصدّر صفاقس بـ511 مؤسسة، تليها سيدي بوزيد بـ397، والقيروان بـ389، والقصرين بـ379، ونابل بـ358، فيما تتذيّل توزر الترتيب بـ77 مؤسسة، تليها قبلي بـ122 وزغوان بـ140.

ولا تعكس كثرة المؤسسات في جهة ما بالضرورة كثافة تلميذية مرتفعة فيها، والعكس صحيح. فبينما تتصدّر صفاقس الترتيبين معا بـ511 مؤسسة و211,450 تلميذا، تتراجع سيدي بوزيد من المرتبة الثانية في عدد المؤسسات إلى الثانية عشرة في عدد التلاميذ بـ102,329 تلميذا، والقصرين من الرابعة إلى العاشرة بـ111,149 تلميذا، والقيروان من الثالثة إلى السادسة بـ124,351 تلميذا.

وفي الاتجاه المعاكس، تحتلّ تونس المرتبة الثالثة في عدد التلاميذ بـ163,180 تلميذا مقابل السابعة في عدد المؤسسات بـ319 مؤسسة. وتأتي بن عروس خامسة في عدد التلاميذ بـ124,699 تلميذا، مقابل السادسة عشرة في عدد المؤسسات بـ225 مؤسسة. وينسحب النمط ذاته على سوسة والمنستير وأريانة، التّي تسجّل جميعها ترتيبا في عدد التلاميذ أعلى بكثير من ترتيبها في عدد المؤسسات.

ويحتاج هذا الترتيب إلى قراءة متأنية، إذ يكسر صورة نمطية حول التوزيع الجهوي للبنية التعليمية. فولايات سيدي بوزيد والقيروان والقصرين، المصنّفة ضمن "الولايات الداخليّة المهمّشة"، تحتلّ فعليا مراتب متقدمة في عدد المؤسسات التعليمية العمومية، متفوقة على العاصمة تونس وولايات أخرى مركزيّة وساحلية. لكن ذلك لا يعني تمتّعها ببنية تحتية تعليمية أو تغطية أفضل، إذ تُكثّف الدولة المدارس في تلك الولايات لكسر التفاوت والاختلال التنموي بين مركزها وأطرافها، والذّي تجاوزت آثاره الزحف العمراني العشوائي، ليطال رأس المال البشري، حيث تتجاوز نسبة الانقطاع المدرسي المبكّر 6% من الأطفال بين 6 و16 سنة في القيروان والمهدية والقصرين وسيدي بوزيد، مقابل 4.5% وطنيا، وفقا للمخطط الوطني للتنمية 2026- 2030.

التعليم الخاص: امتيازٌ تحدّد الجغرافيا من يحظى به

وتكشف خريطة التعليم الخاص عن تمركز واضح في العاصمة والمناطق الحضرية والساحلية، إذ تتصدّر ولاية تونس بـ176 مؤسسة و41,333 تلميذا، تليها بن عروس بـ121 مؤسسة و24,286 تلميذا، وسوسة بـ108 مؤسسات و22,877 تلميذا. فيما تتذيّل تطاوين الترتيب بـ7 مؤسسات و1007 تلاميذ، والكاف بـ 12 مؤسسة و1814 تلميذا، وسليانة بـ13 مؤسسة و2030 تلميذا.

وهكذا يتحوّل التعليم الخاص من خيار إضافي متاح للجميع إلى امتياز جهوي يُكرّس ثنائية المركز والأطراف، فتتركّز مؤسساته حيث يوجد طلب فعلي عليها، لا حيث توجد فجوة تنموية. 

لكن حجم المنظومة لا يُقاس بعدد مؤسساتها وتلاميذها فقط؛ فخلف كل تلميذ كلفة تتحمّلها الدولة، تختلف باختلاف المرحلة التعليمية. فكم تنفق الدولة على التلميذ الواحد؟

تعليم مجاني بكلفة على الدولة:

ينصّ الفصل 44 من الدستور التونسي على أنّ "التعليم إلزامي إلى سن السادسة عشرة، وتضمن الدولة الحق في التعليم العمومي المجاني بكامل مراحله". 

ويُحمّل هذا الفصل الدولة على تحمّل كلفة الرحلة التعليمية لكلّ تلميذ تونسي، وهي كلفة غير ثابتة وتختلف حسب المرحلة التعليميّة، إذ تُفيد البيانات الرسميّة بارتفاع كلفة التلميذ الابتدائي من 1350,7 دينارا في سنة 2016 إلى 2418,3 دينارا في 2025، فيما ارتفعت كلفته في المرحلة الإعدادية والثانوية من 2646,2 دينارا إلى 3781.7 دينارا. 

لكن إذا كانت هذه ملامح المدرسة التونسية اليوم، فكيف وصلنا إلى هذه الصورة؟ وما هي التحولات التي مرّت بها؟

المدرسة العمومية في 30 عاما.. من التوسّع إلى الركود؟ 

ارتفع عدد المدارس الابتدائية، بين 1994 و2025، من 4286 إلى 4593 مدرسة، بزيادة قدرها 7.2%، بينما قفزت المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية 109%، من 712 إلى 1488 مؤسسة. أمّا التعليم التقني، فتراجعت مؤسساته 10.2%، من 88 إلى 79 مؤسسة.

ويعكس هذا الفارق تحوّلا في أولويات المنظومة التعليمية، من تعميم التعليم الابتدائي إلى توسيع شبكة التعليم الإعدادي والثانوي. لكنّ هذا التوسّع نفسه فقد زخمه تدريجيا، إذ تراجعت وتيرته من 9.1% سنة 1996 إلى 0.5% فقط سنة 2025

وفيما يتعلّق بأعداد التلاميذ، فقد سجلّت تراجعا 21.7% في التعليم الابتدائي و21.2% في التقني، مقابل قفزة 139.7% في الإعدادي والثانوي.

في الأثناء، برزت أولوية جديدة في السياسة التعليمية للدولة، تمثّلت في تطوير التعليم ما قبل المدرسي، أي الأقسام التحضيرية، وتوسيع نطاق إدماجها ضمن المدارس الابتدائية العمومية، وفقا لمقتضيات القانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي لسنة 2002، الذي نصّ في فصليه 17 و18 على تعميم السنة التحضيرية، كجزء من التعليم الأساسي، للأطفال في سنّ 5 إلى 6 سنوات. فكيف كان مسار هذا الإدماج؟ وهل تضمّ اليوم كلّ المدارس الابتدائية العمومية أقساما تحضيرية؟ 

الأقسام التحضيرية: توسّع مقنّن

وبمجرّد إقرار القانون، ارتفع عدد المدارس الابتدائية التي تضمّ أقسامًا تحضيرية من 362 مدرسة سنة 2001 إلى 749 مدرسة سنة 2002، بزيادة 107%. وتواصل هذا النموّ بوتيرة سنوية متفاوتة، ليبلغ 2777 مدرسة في 2025، ما يمثّل 60.5% من إجمالي المدارس العمومية في تونس.

تبع ذلك تضاعفٌ لافت في عدد التلاميذ، من 7,667 تلميذا سنة 2001 إلى 14,563 سنة 2002، ثم إلى 55,873 سنة 2025، بنمو إجمالي بلغ 629%. وبلغ العدد ذروته سنة 2019 بـ59,544 تلميذا، قبل أن يتخذ مسارا متذبذبا، إذ تراجع إلى 57,127 سنة 2020، ثم ارتفع إلى 58,325 سنة 2021، وانخفض مجددًا إلى 54,325 سنة 2022، قبل أن يصعد إلى 56,466 و58,064 سنتي 2023 و2024، ثم يتراجع إلى 55,873 سنة 2025. 

ويعكس هذا المسار توسعا هيكليا طويل الأمد للتعليم التحضيري، تلاه تراجع نسبي في أعداد المنتسبين خلال السنوات الأخيرة، دون أن تسمح البيانات المتاحة حاليًا بتفسير أسبابه.

تعليمٌ نموذجي مركزي: 

ارتفع عدد المدارس والمعاهد النموذجية، وهي مؤسسات عموميّة تُخصَّص لتدريس المتفوقين في مناظرات ختم الدروس، من 24 إلى 51 مؤسسة بين 2009 و2025، وهي الفترة التي تغطيها البيانات المتاحة، لترتفع حصتها من إجمالي المدارس الإعدادية والمعاهد الثانوية من 1.8% إلى 3.4% خلال الفترة نفسها. 

ويأتي هذا الارتفاع في سياق توسّع التجربة لتشمل جميع الولايات التونسية الـ24، إذ أصبح كل مركز ولاية يضمّ، على الأقل، مدرسة إعدادية ومعهدا ثانويا نموذجيين، دون استثناء، يضمُّ تلاميذٌ من كل أطرافها. 

واكب هذا الارتفاع في المؤسسات النموذجية ارتفاعا في عدد المنتسبين إليها من 13,710 إلى 32,601 تلميذا خلال ذات الفترة، أي بـ138%. لكن مسار الارتفاع لم يكن خطيّا، إذ شهد فترة نموّ مطرد بـ64.6%، من 13,710 إلى 22,570 تلميذا بين 2009 و2017، لكن أعقبتها فترة تراجع حادّ بـ21.6%، ليبلغ 17.703 تلميذا في 2020؛ ليشهد إثر ذلك نموّا لافتا بلغ إجمالي 84.2% في السنوات الخمس الأخيرة.  

ويرتبط هذا المسار المتذبذب بتفاوت نتائج المناظرات الوطنية لختم الدروس، التي تُعدّ محدّدا أساسيا لأعداد الملتحقين بهذه المؤسسات سنويا، إلى جانب طاقة استيعابها.

التعليم الخاص: من الهامش إلى التوسّع

سجّل القطاع الخاص نموا إجماليا بـ246.4% بين 1994 و2025، من 377 إلى 1306 مؤسسات، تركز خصوصا في التعليم الابتدائي، الذي ارتفعت مدارسه من 35 إلى 708، بـ1922% (مقابل 7.2% فقط في العمومي). وفي الإعدادي والثانوي، ارتفع عدد المؤسسات من 342 إلى 598، بنموّ 74.9% (مقابل 109% في القطاع العمومي).

وتزامن ارتفاع عدد المؤسسات التعليمية الخاصة، لا سيما الابتدائية، بنسق لافت منذ 2013، مع تصاعد الاضطرابات في قطاع التعليم العمومي، حيثُ تزايدت الإضرابات القطاعية وتحوّلت من حدث استثنائي إلى نمط دوري متكرر سنويا، بما يُعرقل السير المنتظم للسنة الدراسية، وفتح المجال أمام التعليم الخاص كخيار بديل لدى بعض الأسر. 

خلاصة القصة: 

خلال ثلاثة عقود، بين 1994 و2025، تمكّنت الدولة التونسية من توسيع شبكة التعليم العمومي 21.1%، لترتفع من 5086 إلى 6160 مؤسسة، مع إيلاء اهتمام متزايد بالتعليم ما قبل المدرسي، الذي تجذّر في 60.5% من مدارسها. في المقابل قفز التعليم الخاص 246%، من 377 إلى 1306 مؤسسات. ولا يُعدّ الفارق بين القطاعين عدديا فحسب، بل جغرافيا أيضا، حيث تتصدر الولايات الداخلية من حيث عدد المؤسسات العمومية، بينما يتركز التعليم الخاص في العاصمة والولايات الساحلية. وجندريا تُهيمن الفتيات على التعليم العمومي والنموذجي، في حين يُسجّل الذكور حضورا أكبر في التعليمين التقني والخاص. وبالرغم من تصاعد التعليم الخاص كخيار بديل، في ظلّ تزايد الاضطرابات في القطاع العمومي، ظلّت المدرسة العمومية التزاما دستوريا قائما ومتوسعا، تضمّ اليوم 89.8% من تلاميذ تونس، رغم تصاعد كلفتهم على الدولة سنة بعد أخرى.

المصادر

المعهد الوطني للإحصاء
رئاسة الحكومة
وزارة الاقتصاد والتخطيط

لن نشارك بريدك الإلكتروني مع أي جهات أخري. تم وضع علامة على الحقول المطلوبة *

يرجى إدخال الاسم الكامل
يرجى إدخال بريد إلكتروني صالح
يرجى إدخال الرسالة