تتداول صفحات رسمية ووسائل إعلام وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي في تونس أرقاما وتصنيفات دولية تحتفي بإنجازات البلاد في عدة مجالات أكاديمية. لكن صحة الرقم لا تعني بالضرورة صحة الاستنتاج؛ فقد يكون الرقم مرتبطا بعينة محدودة، أو بمؤشر فرعي مُنتقى من تصنيف أوسع، أو ببيانات قديمة لم يجرِ تحديثها.
يتتبع هذا التقرير نمطا من نشر حسابات حكومية رسمية ووسائل إعلام تونسية أرقاما وتصنيفات دولية صحيحة في جوهرها لكنها تُعرض مبتورة ومنزوعة من سياقها الصحيح. نستعرض في هذا التقرير ثلاثة ادعاءات تم نشرها خلال شهر أكتوبر 2026، تشمل أخبارا حول ترتيب جامعة منوبة في مؤشر دولي خاص بالتعليم وإحصائيات حضور النساء في التعليم العالي والبحث العلمي، إضافة إلى نسبة خريجي تونس في تخصص العلوم والهندسة. يُفكّك التقرير بالعودة إلى الوثائق والمصادر الأصلية كيف أدى اجتزاء السياق إلى تقديم صورة مغلوطة أو مبالغ فيها عن الواقع.
ويكشف التقرير عن تفاوت التضليل في هذه الادعاءات بين أخطاء في الوقائع وبين أرقام حقيقية غاب عنها السياق الشامل وأُسيء تفسيرها للجمهور؛ ما يؤدي إلى تقديم صورة مغلوطة أو مبالغ فيها عن إنجازات البلاد مقارنة بالمصادر الأصلية
ترتيب جامعة منوبة في تصنيف التايمز
نشرت صفحة جامعة منوبة الحكومية في تونس على فيسبوك، في 5 أكتوبر 2026، أنها حافظت على موقعها في تصنيف التايمز للتعليم العالي 2027، وأن درجتها الإجمالية ارتفعت من 27,5 إلى 28,2 نقطة، وأنها بقيت في المرتبة الرابعة بين الجامعات التونسية كما في 2026.
تم تداول هذه التدوينة بكثافة داخل تونس وشاركتها عدة وسائل رسمية منها وكالة تونس إفريقيا للأنباء والإذاعة التونسية والتلفزة التونسية.




ما حقيقة التصنيف؟
بالعودة إلى التصنيف الرسمي للتايمز وجدنا أنه يضم فعلا 2297 جامعة من 118 دولة وإقليم في تقييم عام 2027، مقابل 2191 جامعة من 115 دولة في نسخة 2026، بحسب ما أعلنته المؤسسة نفسها. وبالفعل تحسنت درجتا تونس في جودة البحث وانتقلت من 42,1 سنة 2026 إلى 44,7 سنة 2027 والبيئة البحثية من 9,7 سنة 2026 إلى 11,9 سنة 2027.
إلا أن الجامعة لم تحافظ على موقعها العالمي كما أعلنت، إذ كانت في الشريحة 1201–1500 سنة 2026، وتراجعت إلى الشريحة 1401–1600 سنة 2027. وجدير بالتوضيح أن هذا لا يعني بالضرورة أن أداءها تراجع، فالتصنيف نسبي، وتقدم جامعات أخرى يكفي لدفع غيرها إلى التراجع في الترتيب، خاصة وأن عدد الجامعات المُصنفة ارتفع.
يذكر أن التايمز هو تصنيف سنوي للجامعات البحثية، يهدف إلى تقييم أدائها ومقارنتها دوليا بالاعتماد على مجموعة من المؤشرات التي تشمل جودة التدريس، وبيئة البحث العلمي، وجودة البحوث وتأثيرها، والانفتاح الدولي، والعلاقة بالصناعة. وتعتمد منهجيته على بيانات الجامعات ومؤشرات الأداء والاستشهادات العلمية وغيرها من المعايير.
وفي نقطة أخرى، أعلنت الجامعة أنها "حسّنت نتيجتها الإجمالية من 27,5 نقطة سنة 2026 إلى 28,2 نقطة سنة 2027، بزيادة قدرها 0,7 نقطة". لكن بالعودة إلى المصدر الأصلي، لم نجد ما يثبت هذا التطور في النتيجة الإجمالية. إذ توضح منهجية التايمز أن الرتب الفردية والدرجات الإجمالية الدقيقة تُمنح لأول 300 جامعة فقط، بينما تُعرض نتائج بقية الجامعات في شكل شرائح. وبناء على ذلك، لم تحصل جامعة منوبة على درجة إجمالية محددة، بل صُنفت ضمن الشريحة التي تتراوح بين 27,3 و32,0 سنة 2026، ثم انتقلت إلى الشريحة التي تتراوح بين 27,3 و30,4 سنة 2027.
أما قول الجامعة إنها حافظت على مرتبتها الرابعة وطنيا فهو غير صحيح، فبحسب بيانات مؤشر التايمز تراجعت جامعة منوبة من المرتبة الثالثة وطنيا سنة 2026 إلى المرتبة الرابعة سنة 2027.


وأخيرا، انتقت الجامعة المؤشرين اللذين تحسنا (جودة البحث والبيئة البحثية) وتركت المؤشرات الثلاثة الأخرى التي سجلت تراجعا بين عامي 2026 و2027 مثل مؤشر التعليم الذي تراجع من 24,8 إلى 24,3، ومؤشر الصلة بالصناعة الذي تراجع من 24,4 إلى 22,8، ومؤشر والانفتاح الدولي الذي تراجع من من 45,4 إلى 43,8.
المرأة التونسية تتفوق بالأرقام؟
في 12 أكتوبر 2026 تداولت صفحات ومواقع إخبارية تونسية خمسة أرقام منسوبة إلى أسماء الجابري وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السن، صرّحت بها في افتتاح اجتماع إقليمي حول القيادة النسائية في العلوم والتكنولوجيا النووية بتونس، وتفيد هذه الأرقام بأن النساء يمثلن حوالي 70% من خريجي الجامعات، و69% من حاملي الدكتوراه، و56,3% في الهندسة، و70,4% في المجال الطبي، مما جعل تونس في المرتبة الثانية عالميا حسب تصنيف اليونسكو من حيث تواجد الطالبات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات "STEM".



ما حقيقة الأرقام؟
الاتجاه العام للخبر صحيح، فالنساء يشكلن فعلا الأغلبية في التعليم العالي التونسي. لكن الأرقام الخمسة ليست على قدر واحد من الإثبات، بالنسبة للرقم 70% من خريجي الجامعات هم من النساء فهو صحيح بحسب مؤشرات وزارة التعليم العالي للسنة الدراسية 2023-2024، إذ تفيد بأن مؤسسات التعليم العالي العمومي خرّجت ما مجموعه 59,243 طالبا، بينهم 42025 طالبة، أي بنسبة 70.9%. بينما تفيد احصائيات المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2024، بأن الإناث يمثلن 57.4% من بين 1.34 مليون خريج تعليم عالٍ

أما فيما يخص نسبة الإناث من حاملي شهادة الدكتوراه، فهي غير مثبتة، إذ تؤكد بيانات وزارة التعليم العالي أن نسبتهن بلغت 63% خلال السنة الدراسية 2023-2024. ويتوافق هذا الرقم تقريبا مع تصريح سابق لوزيرة المرأة في أغسطس 2025، أفادت فيه بأن نسبة المتحصلات على شهادة الدكتوراه بلغت 62%.
ويمكن اعتبار نسبة الإناث في تخصص الهندسة صحيحة، حيث بلغ عدد الطلبة المتحصلين على الشهادة الوطنية لمهندس 3548 طالبًا، منهم 2006 طالبات، أي بنسبة 56,5%. أما في المجال الطبي، فقد بلغت نسبتهن 73,01% من خريجي دكتوراه الطب والصيدلة وطب الأسنان في القطاع العام في 2023/2024، بـ 1020 طالبة من إجمالي 1397 خريجا.
وفيما يتعلق بادعاء احتلال تونس "المرتبة الثانية عالميا حسب اليونسكو" في تخصصات STEM، لم نعثر في صفحات المنظمة ما يثبت ذلك. ويعود أصل المعلومة إلى مدونة للبنك الدولي نُشرت في مايو 2019، تناولت الدول التي يقل فيها عدد النساء بين خريجي الاختصاصات العلمية عن الرجال، ووضعت تونس ضمن 7 استثناءات عالمية تشكّل فيها النساء أغلبية الخريجين، فيما تضع المعطيات الأحدث لعام 2024، تونس ضمن 9 دول فقط تشكل النساء أغلبية خريجي هذه الاختصاصات فيها، دون منحها ترتيبا عدديا معينا.

تونس الأولى عالميا في خريجي العلوم والهندسة؟
نشرت الإذاعة الوطنية، بتاريخ 12 أكتوبر، خبرا بعنوان "تونس الأولى عالميا في نسبة خريجي العلوم والهندسة"، استنادا إلى مؤشر الابتكار العالمي 2026 الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، وتناقلته وكالة تونس إفريقيا للأنباء وعدد من وسائل الإعلام المحلية والدولية.



ما حقيقة التصنيف؟
مع أن الملف الرسمي لتونس في مؤشر الابتكار، يُثبت فعليا تصدرها المرتبة الأولى عالميا بين 139 اقتصاداً في المؤشر الفرعي (2.2.2) بنسبة 37.93% من إجمالي الخريجين في العلوم والهندسة، إلا أن التناول الإعلامي أغفل حقائق رئيسية تحيط بهذا الترتيب.
فأول ما أغفله الخبر هو أن صعود تونس للمركز الأول لا يعود إلى تحسّن في أرقامها الذاتية؛ فالأرقام المعلنة (37.93%) تعود في الأصل لبيانات عام 2023، وهي ذاتها التي نُشرت في تقرير 2025 ولم تطرأ عليها أي زيادة أو تطوير منذ ذلك الحين، وكانت تضع تونس حينها في المرتبة الثانية خلف ماليزيا التي سجلت 41.1%. لكن نسخة 2026، جرى تحديث بيانات ماليزيا إلى سنة 2024 فتراجعت نسبتها إلى 35.08% وحلّت في المرتبة الثامنة، بينما بقيت بيانات تونس مجمدة عند عام 2023؛ ليكون تصدر تونس نتيجة آليّة لتراجع أرقام المنافسين.


كما اعتمدت التغطية الإعلامية على انتقاء مؤشر فرعي معزول من بين عشرات المؤشرات الشاملة، متجاهلة التقييم الإجمالي الذي احتلت فيه تونس المرتبة 71 عالميا من أصل 139 دولة، رغم تحسن الترتيب العام بخمس مراتب عن عام 2025 حين كانت في المرتبة 76.
وفي تفاصيل هذا الترتيب، احتلت تونس المرتبة 108 في مؤشر المؤسسات، والمرتبة 105 في كل من البنية التحتية وتطور الأعمال، والمرتبة 91 في مؤشر تطور الأسواق، بينما احتلت المرتبة 45 في رأس المال البشري والبحث.

الخلاصة:
لا تتشابه الحالات الثلاث في طبيعة الخطأ ذاته، لكنها تشترك في نمط عرض الأرقام، إذ يُنزع الرقم الصحيح من سياقه فيبدو أكبر مما هو عليه. تكشف هذه الحالات أرقاما صحيحة في جوهرها، لكنها قُدِّمت للجمهور مبتورة من أبعادها الحقيقية: ترتيب نسبي عُرض كأنه إنجاز، ومؤشر فرعي انتُقي من عشرات، وأرقام رسمية تتكرر دون مصدر. وقد صدرت هذه الادعاءات عن مؤسسة جامعية، ووسائل إعلام رسمية، وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتتوزع الحالات الثلاث المعروضة في التقرير بين أخطاء وقائعية صريحة كما في حالة جامعة منوبة (الادعاء بالحفاظ على الموقع والترتيب الوطني) وتصريحات وزيرة الأسرة (نسبة الدكتوراه والترتيب الثاني عالميا غير المثبت). وبين أرقام صحيحة جرّدت من سياقها المنهجي، كما في مؤشر خريجي العلوم والهندسة.