عقب خروج المنتخب المصري من بطولة كأس العالم بهزيمته أمام الأرجنتين بتاريخ 7 يوليو 2026، لم يتوقف الجدل عند حدود الملعب، فبدلاً من نقاش تقني حول الأداء أو قرارات التحكيم، تحولت المباراة سريعًا إلى منصة لمهاجمة علم فلسطين وموجات التضامن المصري مع القضية الفلسطينية.
كيف بدأت السردية؟
لم تبقَ السردية - التي ربطت بين خسارة المنتخب ورفع المدير الفني حسام حسن علم فلسطين عقب المباراة - داخل المجال العربي، حيث وصفت العلم بأنه "نحس" أو "فقر وهزيمة"، إذ سرعان ما انخرطت فيها حسابات إسرائيلية ومؤيدة لإسرائيل، أعادت تقديم نتيجة المباراة باعتبارها هزيمة رمزية لغزة وانتصارًا سياسيًا لإسرائيل.
منهجية العينة والنتائج: أكثر من 7.9 ملايين مشاهدة
تتبع فريق "تفنيد" 409 منشورات من منصة "إكس" بين يوم 6 يوليو، و9 يوليو 2026، نشرها 313 حسابًا.
ومن خلال تتبع منهجي، حلل فريق عملنا تلك المنشورات والتى حققت نحو 7.96 ملايين مشاهدة، وأكثر من 100 ألف إعجاب، ونحو 16 ألف إعادة نشر.
كشفت بيانات التتبع أن حجم المشاهدات كان الأعلى إذ حقق منشور واحد نحو 5.03 ملايين مشاهدة، بما يعادل قرابة 63% من إجمالي مشاهدات العينة، بينما استحوذت أعلى 10 منشورات على أكثر من 92% من المشاهدات.
وبتحليل سلوك التفاعل وجدنا أن المنشور الأعلى انتشارًا كان يتحدث عن رفع مشجعين أرجنتينيين علم إسرائيل في مواجهة حسام حسن، كما تضمنت المنشورات واسعة الانتشار محتوى يدافع عن فلسطين أو ينتقد رفع العلم الإسرائيلي، لذا وجب التمييز بدقة بين انتشار الواقعة وانتشار السردية المعادية تحديدًا.
الحسابات الإسرائيلية: من "النحس" إلى "الانتصار الرمزي"
رصد التحليل انخراط حساب الصحفي والباحث الإسرائيلي إيدي كوهين كأحد أبرز الحسابات الإسرائيلية الناطقة بالعربية التي قادت هذه السردية.
ونشر كوهين محتوى يربط مباشرة بين رفع العلم والخسارة، مقدمًا القضية الفلسطينية باعتبارها سببًا للمنعطفات السلبية، ومستعينًا بخطاب يجمع بين الشماتة الرياضية والدعاية السياسية الموجهة.
وجاء هذا الطرح كامتداد لمنشورات عربية ظهرت عقب المباراة وصفت علم فلسطين بـ"علم الفقر والنحس والهزيمة".



أظهر تحليل النصوص البرمجية للكلمات المفتاحية أن هذه المنشورات أظهرت خطابًا يجمع بين الشماتة الرياضية والدعاية السياسية المعادية للفلسطينيين، وجاءت امتدادًا لمنشورات عربية ظهرت عقب المباراة ووصفت علم فلسطين بأنه «علم الفقر والنحس والهزيمة»، أو ادعت أن رفعه تسبب في خروج المنتخب من البطولة.
- 87 منشورًا على الأقل تضمنت وصف العلم صراحة بـ"نحس" أو "منحوس".
- 93 منشورًا ربطت العلم أو فلسطين بكلمات سياقية مثل (الفقر، الهزيمة، الخسارة)، فيما (توجد فئات متداخلة جمعت بين أكثر من وصف في تدوينة واحدة).
لم تكتفِ الحسابات الإسرائيلية بالقول إن علم فلسطين تسبب في خسارة مصر، بل أعادت بناء الواقعة باعتبارها مواجهة رمزية بين علمين: علم فلسطين الذي رفعه حسام حسن، وعلم إسرائيل الذي ظهر مع بعض مشجعي الأرجنتين.
شارك إيال يعقوبي في تداول هذه الصياغة بنشر محتوى ساخر بشأن هزيمة المنتخب المصري، مستخدمًا تعبيرًا يفيد بأن الأرجنتين "ارتكبت إبادة جماعية"، في توظيف ساخر وموجه للمصطلح المرتبط بالحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

شارك رجل الأعمال والناشط الإسرائيلي إيلي ديفيد في صياغة المباراة كمعركة هوياتية بين علمين، مستغلًا خسارة المنتخب المصري لتقديمها كـ"هزيمة سياسية" للمدرب الذي رفع علم فلسطين في مواجهة الطرف الجماهيري الملوّح بالعلم الإسرائيلي.

وظف الناشط الإسرائيلي يوسف حداد، الحدث الرياضي للهجوم على المنصات الداعمة لفلسطين ونشر تصميمًا يقارن فيه بين رفع حسن لعلم فلسطين وزيارة سابقة لميسي إلى حائط البراق، معلقًا عليها بعبارتي "فائز وخاسر"، معلنًا انخراطه المتعمد فيما وصفه بـ"النزول إلى مستوى مروجي البروباغندا المعادية لإسرائيل".

بهذا المسار، انتقلت السردية من مجرد "ادعاء خرافي" يربط العلم بالنحس في الفضاء المحلي، إلى "خطاب دعائي منظم" يصور المباراة كأنها مواجهة سياسية انتهت بانتصار إسرائيل على فلسطين دوليًا.
وتكشف البنية التحليلية للبيانات المرصودة عن هندسة بروباغندا عابرة للغات عبر منشورات على منصة "إكس"، تسارع وتطور الخطاب إلى وصم أيديولوجي مباشر يزعم أن هذه النتيجة هي "مصير كل من يلوح بعلم فلسطين" بعد أن "خسر أمام الجانب الذي يرفع علم إسرائيل" في معاداة للسامية.
بالتوازي، جرى استدعاء ملف الحدود والجغرافيا السياسية لنزع الإنسانية عن الموقف الشعبي ووصفه بـ "النشاط الرخيص ومجرد تظاهر بالفضيلة"، ليتم تصعيد التضليل إلى تحريض ديني عقائدي يصنع "صراع أديان" زائف يزعم إقصاء "المنتخب الإسلامي" على يد "الأمة الكافرة"ومطالبته بالعودة إلى "دولة الشريعة".
وصولاً إلى استخدام أدوات الحرب النفسية عبر منصات يمينية غربية احتفت بـ "تحليق العلم الإسرائيلي بفخر في المدرجات الأرجنتينية لترك مؤيدي فلسطين في حالة إحباط وخيبة أمل"، مما يثبت بالدليل التقني تحويل حدث كروي بالكامل إلى عملية نفوذ رقمي موجهة وممنهجة.




ولم يقتصر العبور الجغرافي للخطاب على الفضاءات الناطقة بالعربية أو العبرية والإنجليزية، بل تمدد سريعاً إلى نشر حسابات باللغة الإسبانية، ونشرت صورًا وتعليقات ربطت بين خسارة مصر، ورفع علم فلسطين، وظهور علم إسرائيل بين جماهير الأرجنتين.
وبرز في هذا المسار حساب "Isaac" الموثق، والذي تكشف بياناته الشخصية أنه يعرف نفسه بوصفه "يهودياً أرجنتينياً يعيش في إسرائيل، ومكرساً حساباته للدفاع عنها وعن الغرب".
إذ عمد الحساب إلى تبني وتمرير الصياغة التهكمية ذاتها مستهدفاً لقطة رفع علم فلسطين، حيث نشر صورة حسام حسن مذيلًا إياها بعبارة واضحة بالإسبانية: "الأرجنتين ارتكبت للتو إبادة جماعية بشكل أساسي"، في توظيف سياسي موجه وممنهج للمصطلحات المرتبطة بحرب غزة لتقزيم الموقف التضامني المصري وتحويل الخسارة الرياضية إلى انتصار هوية.

اليمين الدولي والمنصات الإخبارية: التزييف الأيديولوجي
وفي تحوّل نوعي رصده التحقيق، انتقل تدوير السردية التضليلية من الحسابات الفردية إلى غرف أخبار منصات إعلامية منظمة، وتحديداً المنابر اليمينية الناطقة بالإسبانية؛ إذ كشف التتبع الرقمي عن انخراط ممنهج لمنصة "La Derecha Diario" الأرجنتينية الموثقة، لتوجيه الرأي العام الغربي.
المنصة لم تكتفِ بالتغطية الرياضية للمباراة، بل قادت حملة تشويه مؤدلجة بدأت بنزع الطابع الرياضي عن الحدث ووصم المدير الفني بأنه "المدرب الإسلامي المؤيد لحماس" زاعمة أنه "بدأ يبكي مدعياً العنصرية" عقب إقصائه، لتتصاعد حدة الشحن الأيديولوجي في المنشور الثاني عبر توظيف الاستقطاب العقائدي في مقارنة مرئية تضع مباهج قطاع غزة في كفة واحتفالات جنود إسرائيليين من أصول أرجنتينية يخدمون في جيش الاحتلال في كفة أخرى.
ولم تتوقف المنصة عند هذا الحد، بل اختتمت حملتها الموجهة في منشورها الثالث بتهكم ديني يدعو حسام حسن المدير الفني لـ "الذهاب للبكاء في المسجد" مع زعم أنه "مدرب مسلم موالٍ لحماس"؛ ما يقدّم مؤشراً تقنياً دامغاً على إخضاع الواقعة الرياضية برمتها لـ"عملية نفوذ رقمي موجهة" عابرة للحدود لتصفية حسابات جيوسياسية وضغط الزخم التضامني الإنساني.



الردود ضاعفت انتشار السردية
يكشف التحليل الإحصائي لبنية البيانات المرصودة، أن هندسة انتشار هذه السردية لم ترتكز على حملة ضخ أحادية الاتجاه، بل تغذّت بالأساس على تكتيك الاشتباك والجدال الاستقطابي، فمن بين 362 منشوراً فريداً فككها التحقيق، تبين أن قرابة نصف الزخم الرقمي تولّد عمداً داخل غرف التعليقات.
وتصدّرت الردود التفاعلية بنحو 175 منشوراً (48.3%)، مقابل 144 منشوراً أصلياً مستقلاً (39.8%)، و45 اقتباساً (12.4%)، وأظهر التتبع الشبكي تمركز النقاشات حول بؤر حسابات محورية أُثيرت كطُعم رقمي، كأحد الحسابات العربية المروجة لوصف «علم النحس» الذي استقطب وحده 18 رداً صاخباً داخل العينة لتوسيع دائرته.
وتكمن القراءة الاستقصائية الأعمق في رصد ما لا يقل عن 37 صياغة صريحة رَفَضت هذا الربط ودافعت عن الرمزية الفلسطينية؛ إذ تسببت هذه الموجة المناهضة، في تغذية خوارزميات الانتشار ومنح التدوينات التضليلية الأساسية وروايتها الأصلية زخماً برمجياً مضاعفاً، ليتحول خط الدفاع والمعارض الرقمي، بطريقة عكسية، إلى أداة ترويج تخدم البروباغندا الموجهة وتزيد من ظهورها عوضاً عن تفنيدها.
تكشف الروابط الإضافية التي جرى رصدها، أن العينة الأولى لم تشمل جميع المنشورات المتعلقة بالواقعة، خصوصًا المنشورات العبرية والإنجليزية والإسبانية، فمن بين 22 منشورًا إضافيًا نشرته حسابات إسرائيلية أو مؤيدة لإسرائيل ومنصات إخبارية، لم يظهر أغلبها في البيانات الأصلية، التي كانت أكثر تركيزًا على المحتوى العربي والردود العربية.

ليست حملة موحدة.. لكن خطابها متقارب
لا توجد أدلة تقنية حاسمة على وجود "تنسيق تنظيمي مركزي" بين هذه الحسابات العابرة للقارات؛ فاللغات متباينة والأجندات السياسية مختلفة (بين يمين لغوي وشبكات بروباغندا رسمية).
ومع ذلك، فإن تقارب التوقيت، وتطابق الوسائط المستعملة، وتبادل العبارات الساخرة، يثبت وجود عملية "تضخيم متبادل" مستمرة، وتبين نزع الصفة الرياضية عن المباراة بالكامل، وأُعادت تفكيكها وتركيبها لخدمة "ثنائية سياسية صفرية"، مستغلةً العواطف الرياضية لتمرير أجندة تصفية حسابات سياسية ضد التضامن مع فلسطين.