‎9 أيام غياب.. وسيّل من الروايات والشائعات حول الرئيس التونسي قيس سعيد

منذ الثامن من يوليو الجاري، حين ظهر الرئيس التونسي قيس سعيد آخر مرة علنا في لقائه برئيسة الحكومة سارة الزعفراني بقصر قرطاج، دخلت الساحة التونسية في حالة ترقب غير معتادة، غياب امتد لتسعة أيام دون أي نشاط رسمي أو زيارة ميدانية، في بلد اعتاد فيه الرئيس على حضور شبه يومي في المشهد العام.

يكشف تتبّع الظهور العلني للرئيس قيس سعيد، منذ مطلع يناير وحتى مساء 20 يوليو 2026، عن نمط لافت يتجاوز مجرد "الغياب العارض"؛ إذ بلغ المتوسط الشهري لظهوره 11 إطلالة في الشهر (عند استثناء شهر يوليو). وفي حين تميزت بعض الفترات بكثافة اتصالية شهدت تكرار الظهور أكثر من مرة في اليوم الواحد، كما حدث في 28 يناير الذي سجل 3 مناسبات مختلفة، إلا أن شهر يوليو الحالي كسر هذا المنحنى بانقطاع واضح لم تشهده الأشهر السابقة؛ إذ اقتصر نشاطه المعلن على ثلاث مناسبات فقط حتى الآن، تخللتها فجوة غياب متصلة دامت تسعة أيام كاملة (من 9 إلى 17 يوليو).

في حد ذاته؛ فالرؤساء يغيبون أحيانا لأسباب بروتوكولية أو أمنية دون أن يثير ذلك جدلا، لكن كسر نمط ثابت ومعروف للجمهور، في ظل أزمة معيشية خانقة كانت تستدعي حضورا رئاسيا لطمأنة الشارع، هو ما حوّل الغياب إلى حدث سياسي بحد ذاته. 

في غياب البيان الرسمي.. ماذا قيل؟

مع استمرار صمت المؤسسة الرئاسية عن تقديم أي توضيح رسمي، تصدّرت عبارة "وينو قيس سعيد؟" تعليقات المستخدمين ومنشوراتهم على منصات التواصل الاجتماعي التونسية، في تساؤل شعبي واسع لم يجد من يجيب عنه. فبين مستخدم يطالب بحقه في معرفة حال رئيس بلاده، وآخر يقارن بين "غياب" الرئيس واستمرار انقطاعات الكهرباء والماء في الشارع، وجد التونسيون أنفسهم أمام فراغ معلوماتي ملأته منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الأجنبية بروايات متفرقة، تراوحت بين تقارير صحفية وتكهنات نشطاء.

منشورات التواصل الاجتماعي

وفيما يلي أبرز ما تداولته هذه المنصات، مع التأكيد على أن هذه المعلومات لم تصدر عن أي جهة رسمية أو طبية موثوقة، ويجب التعامل معها بوصفها شائعات غير مؤكدة لا وقائع ثابتة، وكان الحديث عن نقل الرئيس قيس سعيد إلى المستشفى العسكري بتونس من أكثر هذه الروايات تداولا وإثارة للجدل خلال فترة الغياب.

وكان المعارض التونسي إلياس الشواشي قد نشر بتاريخ 15 يوليو 2026 مقطع فيديو يقول فيه إن الرئيس التونسي متواجد في المستشفى العسكري منذ أيام. وبعد يومين فقط، تبنّت صحيفة إيطالية الرواية ذاتها، ما أعطاها بعدا يتجاوز حدود التداول المحلي على منصات التواصل. 

فقد نقلت "إل فوجليو"، عبر موقعها الإلكتروني بتاريخ 17 يوليو، معلومات تفيد بنقل الرئيس إلى المستشفى العسكري إثر إصابته بنوبة قلبية استدعت تدخلا جراحيا طارئا، مضيفة أن الحادثة أُحيطت بسرية تامة لتجنّب تأجيج التكهنات. ولم تكتفِ الصحيفة بالجانب الصحي، بل ربطت ما وصفته بتدهور صحة الرئيس بتصاعد التكهنات حول من سيخلفه.

الخبر منشورًا في "إل فوجليو"

وتناقل نشطاء ومعارضون على منصات التواصل الاجتماعي التونسية الرواية ذاتها، زاعمين أن أزمة صحية ألزمت الرئيس بالإقامة في المستشفى العسكري لتلقي العلاج، وسط صمت تام من الحكومة والأجهزة الرسمية.

الادعاء في منصات التواصل

في غياب الرد الرسمي.. صفحات تلجأ إلى "الطمأنة"

وفي مقابل الروايات التي تحدثت عن تدهور صحي، حاول البعض ملء فراغ الصمت الرسمي من الجهة المعاكسة، عبر محاولات طمأنة غير مثبتة أو مضللة، عبر نشر صور زُعم أنها تثبت أن الرئيس بخير ويواصل مهامه.

ونشرت إحدى الصفحات صورة مرفقة بنص جاء فيه: "نود من المتابعين الكرام أن نطمئنكم بأن السيد الرئيس بصحة جيدة وعافية تامة، وهو يواصل أداء مهامه الوطنية المعتادة.. وكل الشائعات المتداولة لا أساس لها من الصحة".

إلا أن التحقق من الصورة المرفقة بهذا المنشور كشف أنها لا تعود لأي نشاط حديث للرئيس، بل هي صورة قديمة تعود لعام 2024، التُقطت خلال زيارة أداها سعيّد لمقر رئاسة الحكومة، كان يظهر فيها إلى جانب رئيس الحكومة السابق أحمد الحشاني، قبل أن يتم التعديل عليها لإظهار الرئيس وحيدا في الصورة.

الصورة المعدلة
الصورة الأصلية

وتداولت صفحات أخرى منشورا مشابها في المضمون لكن بصياغة مختلفة، جاء فيه: "نود للأصدقاء ومتابعينا الكرام أن نطمئنكم بأن السيد الرئيس بصحة جيدة وعافية تامة، حفظه الله وحماه، وهو يواصل أداء مهامه الوطنية المعتادة ومتابعة كافة الملفات بكل نشاط، أهمها الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي." 

وعلى خلاف الحالة السابقة، لم نتمكن من التحقق من مصدر الصورة المرفقة بهذا المنشور أو تأكيد صحتها، إذ لم يُعثر على أصلها أو مصدرها الأول.

الرد الرسمي: زيارة ليلية لمحطة مياه

بعد أقل من 24 ساعة من نشر «إل فوجليو» تقريرها عن دخول الرئيس المستشفى، ظهر الرئيس قيس سعيد، مساء السبت، في زيارة ليلية شملت عددا من المنشآت، من بينها محطة مياه بغدير القلة، حيث دعا إلى تحسين الربط المائي بالأقاليم ومحاسبة المقصرين. كما زار منطقة قنطرة بنزرت لمتابعة مشروع الحماية من الفيضانات وترميم القنطرة التاريخية، مؤكدا أن "التاريخ ليس للبيع".

ورغم أن الظهور الذي أنهى الفجوة في 18 يوليو بدّد جزءا من التكهنات، إلا أنه لم يرافقه أي تفسير رسمي لأسباب الانقطاع نفسه، ما يعني أن "الرد" جاء على الأعراض لا على السؤال الأصلي الذي أثار الجدل: أين كان الرئيس، ولماذا لم تخبر المؤسسات الرسمية التونسيين بذلك مباشرة؟

بل إن الظهور نفسه لم يسلم من التشكيك، ففي مقابل الرواية الرسمية، نشر المعارض التونسي زياد الهاشمي مقطع فيديو شكّك فيه في مصداقية الظهور الرئاسي، متسائلًا عمّا إذا كان ثمة ما يثبت أن المقطع المتداول لزيارة الرئيس ليس مقطعًا قديمًا أُعيد تدويره، وعمّا إذا كانت هناك أي قرينة تؤكد صحته وحداثة تاريخه، لتقوم بعض الصفحات بإعادة تداوله.

منشور المعارض التونسي

وهكذا، بعد عشرة أيام من الغياب دون أي بيان رسمي، تبقى فترة اختفاء الرئيس قيس سعيّد عن المشهد العام حدثًا لم يُغلق ملفه بعد. فبينما اكتفت المؤسسة الرئاسية بالظهور الميداني بديلا عن أي توضيح مباشر.

ليست المرة الأولى: سيناريو 2023 يتكرر

ما حدث هذا الشهر ليس سابقة في تاريخ قيس سعيّد، ففي أواخر مارس 2023، عاشت تونس مشهدا شبه مطابق: غياب الرئيس عن النشاط العلني لأكثر من عشرة أيام، تزامن مع تأكيد نشطاء ومعارضين تعرضه لأزمة صحية ألزمته الإقامة في المستشفى العسكري، وسط صمت تام من الحكومة والأجهزة الرسمية. حينها أيضًا، غاب الرئيس عن استقبال أوراق اعتماد سفير البرازيل وفق البروتوكول المعتاد، فناب عنه وزير الخارجية، وهو ما اعتُبر مؤشرا إضافيا يعزز الشائعات الصحية حينها.

وقد طالبت حينها "جبهة الخلاص الوطني"، أبرز فصيل معارض في تونس، بالكشف عن الوضع الصحي الحقيقي للرئيس والتساؤل عمّا إذا كان هناك فراغ في السلطة، قبل أن ينتهي الجدل بظهور الرئيس في مقطع فيديو من مكتبه الرئاسي، بتاريخ 3 أبريل 2023، نافيا وجود أي فراغ في منصب الرئاسة. 

كما أن غياب الرئيس التونسي غير المبرر دفع مدونين تونسيين لإطلاق وسم (هاشتاغ) بعنوان #وينو_الرئيس تساءلوا فيه عن سبب اختفاء قيس سعيد.

ويتزامن هذا الجدل مع أزمة تعيشها تونس منذ أيام، إذ تسببت موجة حر قياسية في انقطاعات متكررة ومطولة للكهرباء والماء الصالح للشرب في عدة مناطق من البلاد، الأمر الذي دفع بعض المواطنين إلى تنظيم احتجاجات متفرقة. 

كما يقترب موعد 25 يوليو، الذي يصادف عيد الجمهورية التونسية المعلن عام 1957، ويصادف في الوقت نفسه الذكرى السنوية للإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد عام 2021 وشملت تجميد عمل البرلمان، ووسط دعوات من بعض الأصوات المعارضة إلى تنظيم مسيرات احتجاجية بمناسبة هذه الذكرى.

المصادر

لن نشارك بريدك الإلكتروني مع أي جهات أخري. تم وضع علامة على الحقول المطلوبة *

يرجى إدخال الاسم الكامل
يرجى إدخال بريد إلكتروني صالح
يرجى إدخال الرسالة