كشف رصد وتحليل شمل 255 منشوراً عبر 192 صفحة وحساباً على "فيسبوك" في أقل من 48 ساعة، عن الدور الذي لعبته حسابات وصفحات تونسية في تضخيم مزاعم غير مثبتة حول اندلاع حريق داخل السجن المدني بالمسعدين في سوسة، وهي الشائعات التي ادّعت سقوط قتلى وإصابات ونقل الضحايا إلى المستشفى الجامعي فرحات حشاد.
ويسلط هذا التحليل الضوء على كواليس انتشار الإشاعة وتفوّقها الزمني، حيث سبق تداولها النفي الرسمي بأربع ساعات ونصف، متتبعاً أسباب استمرار سردية "الحريق" في حشد معدلات تفاعل فاقت منشورات التصحيح. كما يكشف التحليل نمطاً منظماً يعتمد على إعادة التدوير الآلي؛ إذ أعادت مجموعات من الصفحات نشر النص ذاته حرفياً خلال دقائق معدودة.
أول أثر: هل رصدنا بداية الشائعة أم صداها الرقمي؟
صباح السبت 18 يوليو 2026، بدأت صفحات ومجموعات تونسية على "فيسبوك" تداول رواية حول اندلاع حريق بالسجن المدني بالمسعدين في سوسة، رافقتها ادّعاءات متضاربة عن سقوط قتلى وجرحى وحالات اختناق بين النزلاء. ورغم صعوبة الجزم بأن هذا التداول يمثل النقطة صفر للإشاعة، يوثّق الرصد تصاعد الرواية تدريجياً عبر المنصات العامة على مدار أربع ساعات ونصف، قبل صدور نفي رسمي قاطع من الهيئة العامة للسجون والإصلاح. إلا أن المحتوى استمر في الانتشار رغم النفي، بل تحوّر لاحقاً إلى نسخة بديلة تتحدث عن حريق بسجن النساء، بالتزامن مع تداول مقاطع تتحدث عن احتجاجات ومواجهات أمام السجن ومستشفى فرحات حشّاد.
التقرير يعتمد على بيانات وصفية لمنشورات عامة على "فيسبوك" من حيث التوقيت والمصدر والمحتوى وحجم التفاعل، دون أن يشكّل تحقيقاً ميدانياً في أصل الشائعة أو لحظة نشأتها الأولى؛ فالأثر المرصود أولاً لا يعني بالضرورة أنه نقطة الانطلاق، إذ قد يسبقه تداول عبر قنوات أخرى غير مشمولة بالتحليل. وبناءً على ذلك، لا يتتبع التقرير المصدر الأول للشائعة بقدر ما يركز على آليات التضخيم الرقمي، من خلال رصد أقدم ظهور للواقعة ومسار تصاعدها، وتوثيق توقيت النفي الرسمي وأثره على وتيرة النشر، إلى جانب تحديد الصفحات الأكثر إسهاماً في هذا التضخيم ومؤشرات التنسيق بينها لمواصلة تداول الشائعة وتحويرها حتى بعد النفي الرسمي.

سرعان ما تحوّل هذا السؤال الأولي إلى نقطة انطلاق لمسار تداول رقمي أُضيفت إليه تدريجياً تفاصيل جديدة، تحوّلت معها الإشارة الغامضة إلى سردية متكاملة تروّج لحريق مزعوم داخل السجن المدني بالمسعدين، مترافقة مع ادعاءات بسقوط ضحايا وإصابات.
ولرصد هذه السردية، اعتمدنا على سحب عيّنة من منشورات "فيسبوك" المتعلقة بالواقعة المزعومة، بناءً على كلمات مفتاحية استُخلصت من الملاحظة الأولية. وشملت عملية السحب بيانات النشر الأصلية، بما في ذلك نص المنشور ومحتواه، واسم الصفحة أو الحساب، وتوقيت النشر، ومؤشرات التفاعل.
وأسفرت عملية الرصد عن جمع 255 منشوراً من 192 صفحة وحساباً عاماً، وبعد تنقية قاعدة البيانات ومراجعتها، ثبت خلوها من أي تكرار، ليبقى العدد عند 255 منشوراً صالحاً للتحليل. وقد امتد النشر في العيّنة المرصودة من الساعة 5:53 صباحاً يوم 18 يوليو 2026 حتى الساعة 10:59 مساءً من يوم 19 يوليو 2026، لتغطي العيّنة بذلك مختلف مراحل ظهور الرواية الرقمية، وتصاعد تداولها، وتفاعل الصفحات معها حتى بعد صدور النفي الرسمي.

الخط الزمني من أول منشور إلى النفي الرسمي: رحلة الشائعة رقميا خلال أربع ساعات ونصف:
اعتمدنا في تتبّع مسار وتحوّرات السردية الرقمية للواقعة المزعومة على رصد مجموعة من الكلمات المفتاحية التي ظهرت تباعاً في منشورات عامّة على "فيسبوك"، حيث عكست التطور المتدرج للرواية. ويُظهر الرصد أن عبارة "حبس المسعدين" كانت أولى تلك الكلمات، إذ ظهرت مع المنشور الأول عند الساعة 05:53 صباحاً يوم 18 يوليو 2026، وتكررت لاحقاً في 50 منشوراً عبر 44 صفحة وحساباً.
وبعد نحو 15 دقيقة فقط، وتحديداً عند الساعة 06:08 صباحاً، سجّلت عبارة "سجن المسعدين" ظهورها الأول كوصف نصي لمقطع فيديو أعاد نشره مستخدم باسم "Majdi Guerre Bouge"، موثقاً بثاً مباشراً على منصة "تيك توك" لحساب باسم "Najwa Skander" (حُذف لاحقاً)، يُظهر بداية تجمّع بعض العائلات أمام السجن ونقاشهم مع الأمنيين حول حقيقة الأوضاع. وعقب هذا الظهور، تحوّلت عبارة "سجن المسعدين" إلى الأكثر تداولاً في العيّنة، حيث رُصدت في 65 منشوراً نشرتها 60 صفحة وحساباً.
في الأثناء، ومع اتّساع انتشار الرواية، لم تقتصر المؤشرات الظرفيّة على الإشارة للسجن، بل اُضيفت إليها تفاصيل جديدة أسّست لسرديّات جديدة تتعلّق بطبيعة الواقعة المزعومة، حيثُ أفاد مستخدمٌ باسم "Abdelkader Omrani" بـ "نشوب حريق" في السجن المذكور، وهي أوّل إشارة نصيّة عامّة، شملتها عيّنتنا، وصفت طبيعة الواقعة. تشكّلت هذه السرديّة في الساعة السادسة صباحا و15 دقيقة ثمّ توسّعت، حيثُ رُصدت في 59 منشورا على 50 صفحة.

لحق ذلك تشكّل سرديّة أخرى، تتعلّق بتجمّع عائلات المساجين أمام مستشفى فرحات حشّاد بسوسة للإطمئنان على ذوّيهم، حيثُ ظهرت هذه السرديّة لأوّل مرة في الساعة السادسة صباحا و33 دقيقة عبر صفحة باسم "لارتيستو النهضاوي"، والتّي تُحيلنا على أوّل منشور رصدته عيّنتنا "شنوة صار في حبس المسعدين.. سبيطار سوسة توة يملا ويفرغ بالعباد"، وبالتالي، قد يكون المستخدم وليد الفريجي يتكلّم عن مستشفى فرحات حشاد.
عقب ذلك، رصدنا يدويّا، مقطع فيديو، لم ترصده عيّنتنا لعدم احتوائه أيّة نصوص وصفية مرافقة، يتعلّق بسرديّة المستشفى، حيثُ نشر أمير مكني، رئيس المجلس المحلي بمعتمدية سيدي عبد الحميد بسوسة، مقطعا مصوّرا للدكتور زياد مزقار، رئيس القسم الاستعجالي بمستشفى فرحات حشاد، نفى فيه صحة الواقعة المزعومة، مؤكّدا أنّ المستشفى لم يستقبل أيّة إصابات. نُشر الفيديو في الساعة السادسة و56 دقيقة، ويُعدُّ أول نفي "شبه رسمي" لحق أوّل منشور بـساعة و3 دقائق، لكّنه سبق بـ 3 ساعات و11 دقيقة لبيان النفي الرسمي الذّي نشرته الهيئة العامة للسجون والإصلاح في الساعة العاشرة صباحا و27 دقيقة.
لكن، وبالرغم من السردية الطبية النافية، ظهرت في الساعة السابعة صباحا و29 دقيقة سردية أخرى تتعلّق بعمليّات نقل للنزلاء من السجن على خلفيّة الحريق نشرتها صفحة باسم "اتّحاد أنصار- L'étoile"، ثمّ عقبتها سردية أكثر تضخيما تتعلّق بسقوط قتلى وجرحى، والتّي روّجتها صفحة باسم "المارد التونسي لتطهير الداخلية" على الساعة الثامنة و58 دقيقة، وهي ذات الصفحة التّي قادت في الساعة العاشرة صباحا و16 دقيقة حملة تشويه ضدّ رئيس القسم الاستعجالي محمّلة إياه مسؤوليّة التعتيم عن الحقيقة.

جاء ذلك بالتزامن مع بروز سرديّة إخباريّة لإذاعة "Jawhara FM"، لم تشملها عيّنتنا الأوليّة، أوضحت أنّ الحادثة تتلّخص في تعرّض سجينيْن بالسجن المدني بالمسعدين، لتوّعك صحي استوجب نقلهما إلى المستشفى الجامعي فرحات حشاد، لتلقي الفحوصات اللازمة، وأنّ الوضعيّة عادية ولا صحّة لاندلاع حريق داخل السجن. تمّ تداول هذه السردية على نطاق واسع من قبل عديد الحسابات والصفحات التّي شملتها عيّنتنا انطلاقا من الساعة الثامنة صباحا و46 دقيقة، نذكر منها "تونس اليوم" و"كريم اليزيدي" و"أخبار المنستير" و"أخبار سوسة 51" و"أخبار تونس لحظة بلحظة" و"Fateh Bouzouida" وغيرهم.
مع تصاعد السرديتين المضادتين، الطبيّة من جهة والإخبارية من جهة ثانية، انبثقت سرديّاتٌ أخرى في حدود الساعة التاسعة صباحا و15 دقيقة تُجرّم تداول الشائعة وتطالب بمحاسبة كلّ من ثبتت مسؤوليّته في ترويجها وبثّ الفوضى، والتّي نجدُ أثرها في منشورات على صفحات باسم "أبناء حومة السكة - القلعة الكبرى" و"Haroun Gezeh" و"Hamdi Douzi" سبق نشرها النفي الرسمي للواقعة.

وبعد مرور أربع ساعات ونصف كاملة من التداول الرقمي للشائعة، وبالتحديد في العاشرة صباحا و27 دقيقة، نشرت الهيئة العامة للسجون والإصلاح بيانًا رسميّا نفت فيه بشكل قاطع ما يتم تداوله من ادعاءات.

وهكذا، يُمكن القول إنّ الشائعة لم تُنشر بصيغة واحدة خلال الأربع ساعات ونصف الأولى، بل أُعيد تشكيلها مراراً عبر سرديات متدرجة؛ إذ بدأت بإشارات غامضة إلى السجن المدني بالمسعدين، ثم تحولت إلى سردية الحريق، وانتقلت منها إلى ادعاءات وقوع حالات اختناق وسقوط ضحايا وإصابات مع نقل النزلاء للمستشفى. وفي المقابل، عجزت السرديات النافية—سواء الطبية منها أو الإخبارية—عن إيقاف هذا الانتشار، وذلك حتى صدور النفي الرسمي من الهيئة العامة للسجون والإصلاح، وهو ما يطرح السؤال حول طبيعة أثره في الحد من الشائعة.
ورغم صدور هذا النفي، بقي لهيب الإشاعة متقداً؛ إذ قُسّمت العيّنة زمنياً إلى خمس مراحل استناداً إلى لحظة نشر البلاغ الرسمي عند الساعة 10:27 صباحاً: ما قبل النفي، الساعة الأولى بعده، من ساعة إلى 6 ساعات، من 6 إلى 12 ساعة، وما بعد 12 ساعة. وأظهر التحليل أنه خلال الساعة الأولى التي تلت صدور البلاغ مباشرة، نُشر 39 منشوراً إضافياً، تنوّعت بين نقل النفي الرسمي ومواصلة تكرار سرديات الحريق، بل إن بعضها ذهب إلى ادعاء تسجيل أول حالة وفاة، كما ورد في منشور لصفحة باسم "صبري لفحل القصريني" عند الساعة 10:47 صباحاً (أي بعد 20 دقيقة فقط من النفي)، زعم فيه وفاة السجين "عماد رطيبي" جراء الحريق.

نقطة التحوّل: متحوّر جديد يظهر على الساعة الواحدة ظهرا و40 دقيقة:
بعد أكثر من ثلاث ساعات من النفي الرسمي، لم يخفت التداول بشأن الشائعة، وإنّما تضخّم، ليشهد ذروته في الساعة 1:00 - 2:00 ظهرا، بواقع 36 منشورا.

وشهدت ذات الساعة، وبالتحديد على الساعة الواحدة ظهرا و40 دقيقة، ولادة متحوّر جديد ومختلف من الادّعاء، وهو أنّ "الحريق حدث في حبس النساء، وسيارات الإسعاف نقلت برشا نساء"، وهو لئن كسر افتراضا شائعا مفاده أنّ التصحيح سيُخمد الإشاعة، فإنّه كشف في ذات الصدد عن نمط مشاركة يقوم على إعادة التدوير.

ولرصد أنماط المشاركة القائمة على النسخ واللصق، قمنا بمقارنة نص كل منشور مع بقيّة العيّنة بحثا عن تطابق حرفي كامل. وتوصلنا إلى أنّ 60 منشورا نصيّا من أصل 255 تُعدّ نسخا طبق الأصل عن منشورات أخرى داخل العيّنة ذاتها، متوزّعة على 20 نصا متكررا على صفحات وحسابات مختلفة، وهو ما يبدو مؤشّرا واضحا على أنّ جزءا مهمّا من "الانتشار" يمثّل إعادة تدوير نصي لمحتويات نُشرت مسبقا، وليست محتويات أصلية.
ويُعدّ نصّ الادعاء "عاجل: الحريق حدث في حبس النساء وسيارات الإسعاف هزت برشا نساء." أوضح نمط مشاركة منسّقة في العيّنة كاملة. نُشر نصّ الادّعاء، متطابقا، على 8 صفحات مختلفة خلال حيّز زمني لا يتجاوز 8 دقائق و34 ثانية (من 13:40:32 إلى 13:49:06).

ولم يقتصر الأمر عن هذا الادّعاء، فقد سبق أن نشرت اثنتين من هذه الصفحات، وهي "السياسة بالفلاّقي" و"قهواجي البرلمان"، معا، وبفارق دقيقة و16 ثانية فقط بينهما (11:49:13 و11:50:29)، ادعاءً آخر متطابقا حرفيا مفاده إنّ "الحريق نشب في السجن المدني بالمسعدين... هذه الكارثة الإنسانية سببها سلطة قيس سعيد الفاشلة" بالإضافة إلى صفحة ثالثة باسم "Tuniflix" التّي أعادت بدورها نشر ذات الادعاء بالتحديد في الساعة 11:57:23، أي بفارق 8 دقائق و10 ثواني. وعليه، نلاحظ أنّ الثنائي ذاته من الصفحات (السياسة بالفلاقي وقهواجي البرلمان) ظهر في موجتين منفصلتين من نسخ ولصق وفي كل مرة بفارق دقيقة واحدة أو أقل بين نشر الصفحتين.
لا ننكر أيضا أنّ نص النفي الرسمي نفسه نُسخ أيضا حرفيا، حيثُ اُعيد نشر بلاغ الهيئة العامة للسجون والإصلاح بصيغة نصيّة متطابقة من قبل 5 حسابات مختلفة بين الساعة العاشرة و27 دقيقة والساعة الواحدة ظهرا و46 دقيقة، لكن ذلك مبرّر من زاوية القيمة الخبرية وتصحيح المعلومة.
وتجبُ الإشارة، في هذا الصدد، إلى أنّ التطابق النصي والتقارب الزمني للمنشورات يعدُّ مؤشّر قويّ على نمط نشر متزامن يقوم على إعادة التدوير عبر النسخ واللصق، لكنّه لا يكف وحده لإثبات تنسيق متعمّد بين هذه الصفحات.
التوظيف السياسي: الإشاعة كسرديّة بين المناصرين والمعارضين:
لاحظنا أنّ عدد كبير من المنشورات ربط نقل الادعاء مباشرة بخطاب سياسي معارض للسلطة، من قبيل وصف سلطة قيس سعيّد بـ "الفاشلة" وأنّها "استهترت بالأرواح"، وهي عباراتٌ تكرّرت حرفيا أكثر من مرّة في منشورات لصفحات مختلفة.

في المقابل، ظهرت سرديّة مضادّة تتبنّى خطابا مؤيّدا للسلطة، جرّم نشر الإشاعة وعبّرت عن مساندتها لحملة إيقافات زُعم أنّه سينفّذها القضاء بحقّ كل من ثبت مسؤوليّته في ترويج الإشاعة.


خلاصة القول: لم تبقَ الشائعة خبرا يُصحّح أو يُنفى فحسب، وإنّما تحوّلت إلى ساحة استقطاب سياسي في الاتجاهين خلال نفس اليوم.
ورغم أن هذا التقرير لا يكشف عن لحظة ولادة الشائعة خارج منصة "فيسبوك"، فإنه يوثق مسارها فيه، حيث لم تنتشر بسردية واحدة، بل عبر سرديات متحولة خضعت للتضخيم وإعادة التشكيل كلما واجهت تصحيحا أو نفيا. فقد أظهر الرصد أن المزاعم المتعلقة بنشوب حريق في السجن المدني بالمسعدين بسوسة لم تتوقف عند حدود النفي الرسمي، بل واصلت الانتشار عبر سرديات بديلة اعتمدت على إعادة تدوير المحتوى والنسخ واللصق بين عدد من الصفحات والحسابات، وهو ما منحها عمرا رقميا امتد إلى ما بعد صدور النفي.