تعرف انه تونس عندها أكبر عدد من الحسابات الكاذبة fake accounts على الفيسبوك وعلى الإنستغرام وعلى التيك توك.. أكثر من أمريكا أكثر من إيطاليا.. أكثر من أي دولة أخرى.. شفتها البارح هذه الإحصائيات تقريبا 39 ألف حساب كاذب.
المدعي : رضوان المصمودي . رئيس مركز دراسة الإسلام والديمقراطية في تونس. (باحثون/خبراء )
الادعاء "مضلل"، إذ لم نعثر على مصدر موثوق يثبت أن تونس تتصدر دول العالم في عدد الحسابات الوهمية على "فيسبوك" و"إنستغرام" و"تيك توك" أو أن لديها نحو 39 ألف حساب وهمي، وفي المقابل عثرنا على مصدر يعود إلى سنة 2021 يتضمن 39.526.412 سجلا مرتبطا بتونس ضمن قاعدة بيانات مسرّبة من فيسبوك، وهو رقم لا يمثل عدد الحسابات الوهمية ولا يشمل المنصات الثلاث المذكورة في الادعاء، بل يتعلق ببيانات مستخدمي فيسبوك التي تم استخراجها من المنصة قبل تسريبها ولا يتضمن تصنيفا لهذه السجلات باعتبارها حسابات وهمية.
تتبع فريق "تفنيد" تصريح رئيس مركز دراسة الإسلام والديمقراطية بواشنطن، في برنامج "سياسة في العمق"، على قناة "البلاغ"، بتاريخ 25 أغسطس 2026، والذي ادعى فيه أن تونس تتصدر دول العالم من حيث عدد الحسابات الوهمية على "فيسبوك" و"إنستغرام" و"تيك توك"، بأكثر من الولايات المتحدة وإيطاليا وغيرها، مقدّرا عددها بنحو 39 ألف حساب، وتبيّن أن الادعاء "مضلل "، وذلك بالرجوع إلى المصادر المتعلقة ببيانات مستخدمي فيسبوك المسربة سنة 2021، ولا سيما ما نشره موقع The Record ووكالة رويترز، إضافة إلى البيانات والمعلومات التي نشرتها شركة Meta، ومقارنة ما ورد فيها بالمعطيات الواردة في الادعاء.
هل توجد إحصائية تثبت أن تونس الأولى عالميا في عدد الحسابات الوهمية؟
لم يعثر فريق "تفنيد" على إحصائية موثوقة تجمع المنصات الثلاث وتُصنّف الدول وفق عدد الحسابات الوهمية، كما لم يعثر على مصدر يضع تونس في المرتبة الأولى عالميا في هذا المؤشر أو يقدّر عدد الحسابات الوهمية فيها بنحو 39 ألف حساب.
وتوضح شركة Meta، المالكة لفيسبوك وإنستغرام، في "مركز الشفافية" الخاص بها، أن "السلوك الزائف" يشمل أشكالا مختلفة من التضليل تنفذها شبكات من الأصول الزائفة، مثل الحسابات والصفحات والمجموعات، بهدف تضليل الشركة أو المستخدمين بشأن الهوية أو مصدر جمهور معين، كما تميز بين السلوك الزائف عموما و"السلوك الزائف المنظّم" (Coordinated Inauthentic Behavior)، الذي تكون فيه الهويات الزائفة محورية في العملية، وتقول الشركة إنها تزيل الحسابات والصفحات والمجموعات الزائفة أو غيرها من أصولها المتورطة مباشرة في هذه العمليات.
غير أن سياسة Meta وتقاريرها الخاصة بالتهديدات لا تقدم ترتيبا عالميا للدول وفق عدد "الحسابات الوهمية"، ولا تعرض مؤشرا يشير إلى أن تونس احتلت المرتبة الأولى عالميا أو أنها تقدمت على دول أخرى في هذا المجال، كما أن تقارير الشركة عن السلوك الزائف المنظّم تتناول شبكات وعمليات محددة جرى اكتشافها وإزالتها، وليس إجمالي عدد الحسابات الوهمية الموجودة في كل دولة.
وتؤكد تقارير Meta نفسها هذا الفرق، ففي تقرير مايو 2020، أعلنت الشركة إزالة شبكة مرتبطة بتونس ضمت 182 حسابا على فيسبوك و209 حسابات على إنستغرام و446 صفحة و96 مجموعة، وقالت إن النشاط نشأ في تونس واستخدم حسابات زائفة لانتحال صفة أشخاص محليين في الدول المستهدفة.
لكن هذه الأرقام تمثل أصولا مرتبطة بشبكة محددة أزالتها Meta بسبب انتهاكها سياسة السلوك الزائف المنظّم، ولا تمثل عدد الحسابات الوهمية في تونس، فضلا عن أنها لا تقدم أي ترتيب عالمي للدول.
وبناءً على ذلك، لم يجد فريق "تفنيد" في المصادر الرسمية التي راجعها ما يثبت الجزء الأساسي من تصريح المدعي، أي وجود إحصائية عالمية تُظهر أن تونس تحتل المرتبة الأولى في عدد الحسابات الوهمية على "فيسبوك" و"إنستغرام" و"تيك توك"، أو أنها تتقدم في هذا المؤشر على الولايات المتحدة وإيطاليا.
البحث عن الإحصائية التي استند إليها المدعي ورقم 39 ألفا:
بعد التحقق من طبيعة البيانات التي تنشرها شركة Meta، انتقل فريق "تفنيد" إلى البحث في مصدر المعلومة التي استند إليها المصمودي في تصريحه، ولا سيما أنه قال صراحة إنه اطّلع على "إحصاءات" في اليوم السابق لتاريخ التصريح، واستند إليها في القول إن تونس تتصدر دول العالم في عدد الحسابات الوهمية، وإنها تتقدم على الولايات المتحدة وإيطاليا، مقدّرا عدد هذه الحسابات بنحو 39 ألف حساب.
وبناء على ذلك بحثنا عن إحصائية أو دراسة أو قاعدة بيانات منشورة قبل التصريح، تتضمن رقما في حدود 39 ألف حساب وهمي مرتبطا بتونس، أو تقدم ترتيبا عالميا للدول حسب عدد الحسابات الوهمية على "فيسبوك" و"إنستغرام" و"تيك توك".
ولم يعثر الفريق على إحصائية موثوقة بهذه المواصفات، وإنما عثر على منشورات متداولة في الآونة الأخيرة على فيسبوك وانستغرام تدعي أن تونس تحتل المرتبة الثانية عالميا في عدد الحسابات الوهمية، وتتضمن هذه المنشورات قائمة تضع مصر في المرتبة الأولى بنحو 44 مليون حسابًا، وتونس في المرتبة الثانية بنحو 39 مليون حسابًا، وليس 39 ألفا، وتصف الرقم بأنه "صادم" وتربطه بظاهرة الحسابات الوهمية وتأثيرها على مواقع التواصل الاجتماعي.


ويلاحظ أن هذه المنشورات المتداولة تتحدث عن 39 مليونا، في حين أن المدعي تحدث عن 39 ألفا، كما أن ترتيب الدول الذي أورده في تصريحه - تونس قبل الولايات المتحدة وإيطاليا - يتوافق مع الترتيب الظاهر في القائمة المتداولة.
غير أن هذا التشابه، رغم أهميته لا يكفي لإثبات أن المصمودي استند إلى هذه المنشورات أو أنه أخطأ في قراءة الرقم؛ لذلك تعامل "تفنيد" مع القائمة باعتبارها خيطا للتحقق، لا باعتبارها مصدرا مؤكدا للمعلومة التي اعتمد عليها المدعي.
وعليه، انتقلنا إلى التحقق من أصل رقم 39 مليونا الوارد في هذه القائمة، وما الذي يمثله تحديدا، وما إذا كان له علاقة فعلية بعدد الحسابات الوهمية.
كيف تحولت أرقام بيانات التسريب إلى ادعاء بوجود ملايين الحسابات الوهمية؟
وللتحقق من طبيعة الأرقام الواردة في القائمة المتداولة، بحث "تفنيد" في المصادر التي تناولت تسريب بيانات فيسبوك سنة 2021، ففي أبريل 2021، أكدت Meta أن بيانات تخص أكثر من 530 مليون مستخدم لفيسبوك من أكثر من 100 دولة ظهرت على الإنترنت، موضحة أن البيانات جرى جمعها قبل سبتمبر 2019 من خلال إساءة استخدام خاصية استيراد جهات الاتصال، وليس نتيجة اختراق أنظمة الشركة، كما أوضحت أن المشكلة كانت قد عولجت في أغسطس 2019.
وبحسب موقع The Record، تضمنت قاعدة البيانات المسربة بيانات مرتبطة بـ533 مليون مستخدم لفيسبوك، وكانت موزعة حسب البلدان. وتظهر الأرقام الواردة في البيانات بالنسبة إلى بعض الدول الكبرى على النحو التالي.

وهذه الأرقام هي تحديدا ما يلفت الانتباه عند مقارنتها بالقائمة التي جرى تداولها مؤخرا على فيسبوك وإنستغرام، والتي تعرض مصر في المرتبة الأولى بنحو 44 مليونا، وتونس في المرتبة الثانية بنحو 39 مليونا، ثم إيطاليا والولايات المتحدة، أي أن هناك تطابقا لافتا في ترتيب الدول والأرقام بين القائمة المتداولة وبين الأرقام الواردة في بيانات تسريب فيسبوك سنة 2021، مع تقريب الأرقام إلى ملايين في المنشورات المتداولة.
لكن هذا التطابق لا يغيّر طبيعة البيانات الأصلية، فـThe Record تناول هذه الأرقام باعتبارها بيانات مستخدمين لفيسبوك جرى استخراجها وتسريبها، وليس باعتبارها عدد الـBots أو الحسابات الوهمية في كل دولة.
وتوضح رويترز كذلك أن البيانات المسربة كانت تخص مستخدمي فيسبوك وأنها جُمعت عبر إساءة استخدام خاصية استيراد جهات الاتصال، وأنها تضمنت معلومات مثل أرقام الهواتف ومعرّفات المستخدمين وغيرها من البيانات المرتبطة بحساباتهم، ولم تصف رويترز هذه الأرقام بأنها عدد الحسابات الآلية أو الوهمية في الدول المعنية.
كما تناول موقع Computing الواقعة نفسها، موضحا أن قاعدة البيانات تضمنت معلومات عن مئات الملايين من مستخدمي فيسبوك من دول مختلفة، وأنها نتجت عن عملية scraping لبيانات المنصة. وبالتالي، فإن الرقم المرتبط بكل دولة في هذه القاعدة يعكس عدد السجلات الموجودة في قاعدة البيانات، وليس عدد الـBots الموجودة في تلك الدولة.
وبذلك فإن مقارنة الأرقام تكشف أن الرقم المتداول عن تونس - نحو 39 مليونا - يتطابق بصورة واضحة مع الرقم 39.526.412 الوارد في بيانات التسريب، لكن توصيفه باعتباره عدد الـBots أو الحسابات الوهمية لا يستند إلى طبيعة المصدر الأصلي.
لكن تطابق الرقم المتداول مع الرقم الوارد في بيانات التسريب لا يكفي لإثبات أن المصمودي استند إلى هذه القائمة تحديدا، أو أنه حوّل رقم "39 مليونا" إلى "39 ألفا"، وما يمكن الجزم به هو أن رقم 39 مليونا يعود إلى بيانات مستخدمي فيسبوك التي ظهرت ضمن التسريب، وليس إلى إحصاء لعدد الحسابات الآلية أو الوهمية في تونس.
لماذا نتحقّق من الادّعاء؟
لأن إعلان بيانات أو معلومات خاطئة حول شأن عام، يؤثر بشكل سلبي على شرائح الجمهور المرتبطة بهذا الشأن، سواء كان سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو تنمويًا وغيره من المجالات.